الأوقاف تحذر من هوس «التريند»: انتهاك الخصوصية والتشهير بالناس

كتبت:إيمان خالد خفاجي
حذرت وزارة الأوقاف من تحول بعض مظاهر «التريند» في العصر الرقمي إلى نوع من الهوس الجماعي بالسعي وراء الشهرة والمكاسب، حتى باتت خصوصيات الناس وأعراضهم مادة رائجة للتداول، في ظل تجاوز متزايد للحدود الفاصلة بين الحياة العامة والخاصة.
وأكدت الوزارة أن هذه الظاهرة تبرز الحاجة إلى استحضار الرؤية الإسلامية وأخلاق الوحيين، بما يعزز الرقابة الذاتية ويحمي المجتمع من مخاطر التجسس الرقمي وانتهاك الخصوصية.
الخصوصية في الإسلام.. قيمة شرعية وأخلاقية
وأوضحت وزارة الأوقاف أن الخصوصية في الإسلام ليست ترفًا فكريًا أو مجرد حق قانوني قابل للتنازل، بل هي ضرورة شرعية وقيمة أخلاقية ترتبط بكرامة الإنسان التي كفلها الله تعالى، مستشهدة بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وأشارت إلى أن صيانة الخصوصية تقوم على ركيزتين أساسيتين، أولهما حرمة الحياة الخاصة، إذ جعل الإسلام بيوت الناس وأسرارهم وحياتهم الخاصة مصونة، وشرع أحكامًا واضحة لحمايتها، من بينها وجوب الاستئذان وغض البصر وتحريم دخول البيوت بغير إذن أصحابها.
ولفتت إلى أن الحسابات الشخصية والمحادثات الخاصة والصور العائلية في العصر الرقمي تأخذ حكم البيوت في وجوب صيانتها، فلا يجوز اقتحامها بالقرصنة أو التجسس أو إعادة نشر محتوياتها دون إذن صريح من أصحابها، لأن حرمة الخصوصية لا تتغير بتغير الوسائل والتقنيات.
الستر.. خلق إسلامي في مواجهة ثقافة التشهير
وأكدت الوزارة أن الستر من أعظم الأخلاق التي تضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، حيث دعا الإسلام إلى ستر العيوب ونهى عن تتبع الزلات وإشاعتها، لما يترتب على ذلك من إفساد للأفراد والمجتمعات.
وأوضحت أن الستر لا يعني التهاون مع الخطأ أو تشجيعه، وإنما يمنح المخطئ فرصة لمراجعة نفسه والتوبة بعيدًا عن التعيير والفضيحة، وهو ما يتعارض مع بعض صور ثقافة «التريند» التي تقوم على التشهير بالناس وتتبع عثراتهم وتحويل أخطائهم وخصوصياتهم إلى مادة للتداول من أجل المشاهدات أو الشهرة أو المكاسب.
التجسس الرقمي وتتبع العورات في الميزان الشرعي
وأشارت وزارة الأوقاف إلى أن تتبع عورات الناس لم يعد سلوكًا فرديًا محدودًا، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية تسهم بعض خوارزميات المنصات الرقمية في انتشارها، من خلال دفع المستخدمين إلى متابعة المحتوى الذي يثير الفضول ويتناول التفاصيل الشخصية والفضائح والأحداث المثيرة.
وأكدت أن الإسلام وضع ضوابط حاسمة لمواجهة هذا الفضول، في مقدمتها النهي عن التجسس والتحسس، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا۟﴾ [الحجرات: ١٢].
وأضافت أن تتبع خصوصيات الناس والفضائح والمشكلات الأسرية المتداولة عبر مواقع التواصل، بهدف الاطلاع عليها أو تداولها، قد يدخل في صور التجسس المعاصر، لما ينطوي عليه من انتهاك لخصوصيات الآخرين وإثارة للفتن وإشاعة لما لا ينبغي نشره.
كما شدد الإسلام على تحريم تتبع عورات الناس والبحث عن زلاتهم أو كشف خصوصياتهم، وهو ما يظهر رقميًا في التنقيب عن الصور أو الرسائل أو المقاطع الخاصة، أو البحث عن الهفوات بهدف نشرها وتداولها، بصرف النظر عن الوسيلة أو التطور التقني المستخدم.
«التريند».. بين هتك أستار الآخرين وكشف الخصوصية الذاتية
وأوضحت الوزارة أن خطورة ظاهرة «التريند» تتمثل في تحول انتهاك الخصوصية والتشهير إلى وسيلة لجذب المتابعين وتحقيق الأرباح، حتى أصبح هتك الأستار في بعض الحالات صناعة رقمية قائمة على الإثارة واستغلال الفضول.
ومن أبرز مظاهر ذلك تتبع زلات الناس وعثراتهم والبحث عن خصوصياتهم، ثم نشر مقاطع أو صور تظهر عيوبهم أو لحظات ضعفهم بهدف زيادة التفاعل أو تحقيق الشهرة والمكاسب، وهو ما يتعارض مع دعوة الإسلام إلى ستر العيوب وصيانة الحرمات.
كما يظهر الأمر في تعمد بعض صناع المحتوى كشف أسرار بيوتهم وخلافاتهم الزوجية، بل ونشر تفاصيل شديدة الخصوصية من حياتهم، بحثًا عن مزيد من المشاهدات والتفاعل، حتى تحولت الخصوصية في بعض الحالات إلى سلعة تُستغل لتحقيق الشهرة والمكاسب المادية.
وحذرت الوزارة من أن الوعيد الشرعي لا يقتصر على من يرتكب الفاحشة، بل يمتد إلى من يسهم في نشرها أو الترويج لها أو تضخيمها، وهو ما ينطبق على كثير من أشكال التفاعل مع «التريندات» القائمة على الفضائح، سواء بالنشر أو إعادة المشاركة أو المساهمة في انتشارها.
الرقابة الذاتية.. خط الدفاع الأول في الفضاء الرقمي
وأكدت وزارة الأوقاف أن تفعيل الرقابة الذاتية يمثل الأساس الأول لصيانة الخصوصية الرقمية، خاصة في ظل غياب الرقابة المباشرة عن المستخدم أثناء وجوده خلف شاشة هاتفه أو جهازه.
وأوضحت أن استحضار رقابة الله تعالى يدفع المسلم إلى التثبت قبل النشر، والابتعاد عن التجسس والتشهير أو المشاركة في تداول ما ينتهك حرمات الآخرين، مشيرة إلى أن كل ما يكتبه الإنسان أو ينشره أو يعلق به أو يشارك في تداوله محسوب عليه.
التثبت قبل تداول الأخبار والمقاطع
ولفتت الوزارة إلى أن صناعة «التريند» تعتمد في كثير من الأحيان على الإثارة واجتزاء المقاطع وإخراجها من سياقها، وأحيانًا فبركة المحتوى بهدف جذب الانتباه وتحقيق أعلى معدلات التفاعل.
وأكدت أن الإسلام أوجب التثبت من الأخبار قبل تداولها أو بناء المواقف عليها، مشيرة إلى أن إعادة نشر الأخبار والمقاطع، خاصة المرتبطة بخصوصيات الناس، دون التحقق من صحتها قد تؤدي إلى هتك الأعراض وتشويه السمعة وإفساد العلاقات بسبب «تريندات» كاذبة أو مجتزأة أو مضللة.
كما دعت إلى «إماتة الباطل بالإعراض عنه»، موضحة أن خوارزميات منصات التواصل تعتمد على التفاعل، وأن كل مشاهدة أو تعليق أو مشاركة قد تسهم في زيادة انتشار المحتوى، حتى لو كان الهدف من التفاعل هو الإنكار.
مسئولية مشتركة لحماية الخصوصية الرقمية
وشددت وزارة الأوقاف على أن مواجهة الآثار السلبية لظاهرة «التريند» والفضول الرقمي ليست مسئولية فردية فقط، بل مسئولية مجتمعية ومؤسسية مشتركة، تتطلب تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية والجهات التشريعية والتقنية.
وأكدت أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في حماية الأبناء من الانسياق وراء هوس الشهرة، من خلال ترسيخ القيم الأخلاقية وتعليمهم احترام خصوصية الأسرة وعدم تحويل أسرار البيوت إلى محتوى بهدف زيادة المتابعين أو تحقيق مكاسب مادية.
كما دعت المؤسسات الدينية والإعلامية إلى تعزيز الوعي بأخلاقيات الفضاء الرقمي، وبيان الأحكام المتعلقة بالتجسس والغيبة والتشهير وانتهاك الخصوصية، مع التوعية بالاستخدام المسئول لوسائل التواصل الاجتماعي والتحذير من صناعة المحتوى الهابط أو الترويج له.
وأكدت أهمية تطوير وتفعيل التشريعات التي تجرم انتهاك الخصوصية والابتزاز الإلكتروني والاعتداء على البيانات الشخصية، إلى جانب تعزيز منصات التواصل أدوات حماية المستخدمين والحد من انتشار المحتوى القائم على التشهير وانتهاك الخصوصية.
واختتمت الوزارة بالتأكيد أن الإسلام لا يرفض وسائل التواصل أو صناعة المحتوى النافع، وإنما يرفض استغلالها في انتهاك الخصوصية والتشهير بالناس، مشددة على أن الستر والخصوصية أصلان يحفظان كرامة الإنسان، وأن مواجهة «التريند» تتطلب ضبط استخدام التقنية شرعًا وأخلاقًا، وترسيخ الرقابة الذاتية، وتكامل الأدوار الأسرية والتربوية والإعلامية لبناء بيئة رقمية أكثر أمنًا واحترامًا لحقوق الأفراد وكرامتهم.





