الجلامة” في مطروح: عرس تراثي يجمع بين رعاية الأغنام وأصالة البادية

كتبت:إيمان خالد خفاجي
تشتهر محافظة مطروح بتربية أجود سلالات الأغنام عالمياً، وهي سلالة “البرقي” التي تتميز بلحومها ذات الجودة العالية ومذاقها الفريد. ويعود تميز هذه السلالة إلى طبيعة الرعي في صحراء مطروح، حيث تتغذى الأغنام على الأعشاب والمراعي الطبيعية التي تنبت بفعل مياه الأمطار، مما يجعلها ثروة قومية وقيمة اقتصادية كبرى لأهالي المحافظة.
ومع انكسار برد الشتاء وبداية تباشير الربيع، وتحديداً خلال شهري أبريل ومايو، يستعد مربو الأغنام لحدث سنوي هام يُعرف بـ “موسم الجلامة” (جز صوف الأغنام). وتعد هذه العملية ضرورة صحية بالغة، فهي تساعد الأغنام على تحمل حرارة الصيف القادمة وتساهم في زيادة وزنها ونموها بشكل سليم، مما يجعل اختيار التوقيت المثالي قبل اشتداد الحرارة أمراً حيوياً للحفاظ على سلامة القطيع.
ولا تقتصر “الجلامة” في مطروح على كونها عملاً زراعياً فحسب، بل هي مهرجان تراثي واحتفالي تتوارثه الأجيال. يحرص البدو خلاله على نصب “بيوت العرب” (الخيام الكبيرة) لاستقبال الضيوف والأقارب والجيران في أجواء من الفرح الغامر. وتُقام الولائم وتُنحر الذبائح احتفاءً بهذا اليوم، الذي يجتمع فيه الكبار والصغار في مشهد يعكس كرم الضيافة البدوي وعمق الروابط الاجتماعية بين القبائل.
وتتجسد روح التراث في الأهازيج والأغاني البدوية التي تصاحب كل مرحلة من مراحل الجز، والمعروفة باسم “القذاذير”. تبدأ العملية بكلمات التفاؤل والمدح للجلامة (القائمين بالجز) ولصاحب الغنم، حيث يتبادلون عبارات مثل “النور ولا ظلام القبور” عند التحية. ومع استمرار العمل، تتعالى أصواتهم بـ “الشتّاوة” (التصفيق مع الغناء) لبث الحماس وتخفيف مشقة العمل، مرددين أبياتاً تمدح الضأن وتتمنى لها البركة والنماء.
وفي ختام هذا العرس الصحراوي، ومع جز آخر رأس من القطيع، يتجنب البدو استخدام أي ألفاظ تدل على الانتهاء تشاؤماً، بل يستخدمون لفظ “بَيّضَت” كناية عن البياض والخير الوفير. ولا ينتهي الأمر عند جز الصوف، بل يتم استغلاله لاحقاً في الصناعات اليدوية مثل الكليم والأغطية، سواء منزلياً أو عبر مصنع الصوف بمركز التنمية المستدامة، ليبقى “موسم الجلامة” رمزاً لاستمرارية الحياة والعطاء في قلب الصحراء الغربية.




