عرب وعالم

«السلاح جاء من الإنترنت المظلم.. فكيف تكشف الأجهزة الأمنية الخيط الرقمي؟»

د. محمد عسكر، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي، في حوار خاص مع جريدة صوت الأمم عن الـDark Web وواقعة 15 مايو وأسرار الأدلة الرقمية

أدار الحوار /مصطفى بريقع فتحي 

 

في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا، يبرز الـDark Web باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، خاصة مع ارتباطه في بعض القضايا بالأسواق غير المشروعة والجرائم الرقمية.

وفي هذا الحوار، يكشف الدكتور محمد عسكر، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي، حقيقة الإنترنت المظلم، والفارق بينه وبين الـDeep Web، وكيف يمكن أن تستغل بعض التقنيات الرقمية في تسهيل الجريمة، إضافة إلى قراءة أمنية لواقعة 15 مايو ودور الأدلة الرقمية في كشف ملابساتها..

 

 

*في البداية.. ما هو الـDark Web؟ وما الفرق بينه وبين الإنترنت العادي والـDeep Web؟

 

يمكن النظر إلى الإنترنت باعتباره مساحة واسعة متعددة المستويات، وليس كل ما يوجد فيها ظاهرًا لمحركات البحث أو متاحًا بالطريقة نفسها للمستخدم العادي.

فالـDark Web هو جزء صغير من شبكة الإنترنت لا يمكن الوصول إليه عادةً من خلال المتصفحات التقليدية ومحركات البحث المعتادة، وإنما يحتاج إلى برمجيات أو إعدادات خاصة، أشهرها شبكة Tor، التي صُممت أساسًا لتعزيز الخصوصية وإخفاء هوية المستخدمين ومواقع الخوادم.

أما الإنترنت العادي، أو ما يُعرف بـSurface Web، فهو الجزء الذي نتعامل معه يوميًا، مثل المواقع الإخبارية ومحركات البحث والمنصات والخدمات الإلكترونية.

 

في المقابل، يأتي Deep Web، وهو أكبر بكثير من الويب السطحي، ويضم المحتوى غير المفهرس في محركات البحث، ليس لأنه سري أو غير قانوني بالضرورة، وإنما لأنه محمي بتسجيل دخول أو موجود داخل قواعد بيانات وأنظمة خاصة، مثل البريد الإلكتروني والحسابات المصرفية والملفات السحابية والأنظمة الداخلية للمؤسسات.

وهنا تكمن نقطة مهمة كثيرًا ما يحدث فيها خلط: الـDeep Web ليس مرادفًا للـDark Web.

 

فالـDeep Web يشير ببساطة إلى المحتوى غير المفهرس للعامة، بينما الـDark Web هو جزء محدود يعتمد على شبكات وتقنيات مصممة لإتاحة قدر أكبر من إخفاء الهوية.

ولذلك فإن وجود موقع أو خدمة على الـDark Web لا يعني تلقائيًا أنها غير قانونية؛ فالتقنية نفسها لها استخدامات مشروعة، من بينها حماية خصوصية الصحفيين والمصادر، وتجاوز الرقابة في بعض البيئات، وتوفير قنوات اتصال أكثر خصوصية.

لكن في الوقت نفسه، استُغلت هذه الخصائص في أنشطة إجرامية، وهو ما جعل المصطلح يرتبط في الوعي العام بالجريمة الرقمية.

 

 

*بعد كشف التحقيقات في حادث 15 مايو عن حصول المتهم على السلاح والذخائر عبر الإنترنت المظلم.. ما دلالة ذلك من الناحية الأمنية؟

 

إذا ثبتت هذه الواقعة وفق ما أعلنته النيابة العامة، فإن دلالتها الأمنية تتجاوز تفاصيل الجريمة ذاتها؛ لأنها تكشف أن الأدوات الرقمية التي تمنح المستخدم قدرًا مرتفعًا من الخصوصية يمكن أن تتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتسهيل الوصول إلى أسواق غير مشروعة عابرة للحدود.

وقد أعلنت النيابة أن المتهم أقر خلال التحقيقات بحصوله على السلاح والذخائر المستخدمة في الجريمة عبر أحد مواقع الإنترنت المظلم مقابل مبلغ مالي.

ومن المنظور الأمني، فإن الأمر يطرح تحديًا مختلفًا عن الجريمة التقليدية؛ فالمشكلة لم تعد فقط في ضبط السلاح أو تتبع البائع والمشتري في العالم المادي، وإنما في تتبع سلسلة رقمية قد تستخدم تقنيات لإخفاء هوية الأطراف ومواقعهم، فضلًا عن إمكانية أن تكون عناصر العملية موزعة بين دول مختلفة.

 

وهذا يفرض على أجهزة إنفاذ القانون تطوير قدراتها في مجال الأدلة الرقمية والتحليل الجنائي الإلكتروني، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي؛ لأن الجريمة الرقمية بطبيعتها لا تعترف بالحدود الجغرافية.

لكن يجب التعامل مع الواقعة بحذر، حتى لا نقول إن الـDark Web أصبح مصدرًا رئيسيًا للأسلحة أو أن كل مستخدم له يمثل تهديدًا أمنيًا.

الواقعة، في حدود ما أعلنته التحقيقات، تثبت إمكانية توظيف هذه البيئة الرقمية في تسهيل نشاط إجرامي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حجم الظاهرة.

والدرس الأوسع هنا أن الأمن في العصر الرقمي لم يعد يعني تأمين الحدود والمنشآت والمجال المادي فقط، وإنما أصبح يشمل أيضًا تأمين المجال السيبراني وفهم كيفية تقاطع التكنولوجيا مع الجريمة المنظمة وتجارة الممنوعات.

 

 

*هل أصبح الـDark Web بالفعل وسيلة لتسهيل ارتكاب الجرائم، أم أنه مجرد أداة يستخدمها شخص لديه نية إجرامية مسبقة؟

 

الإجابة الأدق هي أن الـDark Web يمكن أن يكون عاملًا مُسهِّلًا للجريمة، لكنه ليس في حد ذاته مولدًا للنية الإجرامية.

الجريمة تبدأ في الأساس من إرادة بشرية وقرار بالقيام بفعل غير قانوني، بينما توفر البيئة الرقمية أدوات قد تجعل تنفيذ هذا القرار أسهل أو أكثر تعقيدًا في اكتشافه.

لكن التكنولوجيا تستطيع تغيير البيئة التي يعمل فيها صاحب الدافع، فتقلل بعض الحواجز أمام ارتكاب الجريمة، وتتيح الوصول إلى أسواق أو خدمات أو معلومات كان من الصعب الوصول إليها في العالم التقليدي.

 

وهنا تحديدًا تكمن الخطورة الأمنية: أن تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة اتصال إلى عنصر يخفض تكلفة الجريمة ويزيد قدرتها على التخفي والانتشار.

لذلك لا ينبغي النظر إلى الـDark Web باعتباره «مصنعًا للجريمة»، وإنما باعتباره بنية تكنولوجية مزدوجة الاستخدام؛ يمكن أن تخدم أغراضًا مشروعة، ويمكن أن يستغلها شخص لديه نية إجرامية لتوسيع قدرته على التنفيذ أو التخفي.

 

 

*كيف تعمل الأسواق غير المشروعة داخل الـDark Web؟ وهل يمكن أن تتحول إلى سوق سرية لبيع الأسلحة والمخدرات والبيانات المسروقة؟

 

نعم، يمكن أن تتحول بعض الأسواق داخل الـDark Web إلى ما يشبه السوق السرية بالمعنى الاقتصادي والتنظيمي، لكنها لا تعمل بالطريقة التقليدية.

هذه الأسواق تستفيد من تقنيات إخفاء الهوية والعملات المشفرة، ومنصات مصممة لإخفاء هوية البائع والمشتري ومكان استضافة الخدمة.

وقد وثقت جهات إنفاذ القانون الدولية وجود أسواق خفية عُرضت فيها المخدرات والأسلحة والبيانات المسروقة والوثائق المزورة وغيرها من السلع والخدمات غير المشروعة.

واللافت أن بعض هذه الأسواق حاول تقليد نموذج التجارة الإلكترونية الموجود على الإنترنت العادي؛ فنجد حسابات للبائعين، وتقييمات وسمعة، وآليات لحل النزاعات، ووسائل دفع رقمية.

وهذا يخلق نوعًا من «الثقة الإجرامية» بين أطراف قد لا يعرف بعضهم بعضًا في العالم الحقيقي.

لكن من المهم ألا نتخيل الـDark Web كسوق مركزية ثابتة لها عنوان واحد أو كيان واحد يديرها.

 

هذه الأسواق تتغير باستمرار، وبعضها يُغلق نتيجة عمليات أمنية أو احتيالات داخلية أو صراعات بين المجرمين، ثم تظهر منصات أخرى.

والأهم أن هذه الأسواق لا تلغي الحاجة إلى العالم المادي، بل تربطه بالعالم الرقمي؛ فشراء سلعة غير مشروعة عبر منصة خفية ينتهي في كثير من الحالات بتسليم مادي أو بتحويل مالي يمكن أن يترك آثارًا رقمية ومالية ولوجستية.

وهذا يجعل القول بأن «الدارك ويب لا يمكن تعقبه» قولًا غير دقيق.

 

 

*في واقعة 15 مايو تحديدًا.. إلى أي مدى يمكن أن تساعد الأدلة الرقمية في إثبات كيفية الحصول على السلاح وربطها بالمتهم؟

 

في واقعة 15 مايو تحديدًا، يمكن أن تكون الأدلة الرقمية ذات أهمية كبيرة في إعادة بناء سلسلة الأحداث، لكن من المهم التمييز بين إثبات وقوع الجريمة وإثبات مصدر السلاح.

فبحسب ما أعلنته النيابة العامة، أقر المتهم بأنه حصل على السلاح والذخائر عبر أحد مواقع الـDark Web مقابل مبلغ مالي، بينما دعمت أدلة أخرى رواية وقوع الجريمة، من بينها ضبط السلاح والذخائر، وتسجيلات كاميرات المراقبة، إلى جانب تسجيل صوتي للحوار الذي سبق إطلاق النار.

ومن الناحية الفنية، إذا كانت الأجهزة المستخدمة في عملية الشراء قد ضُبطت وأمكن فحصها بصورة قانونية سليمة، فقد تبحث جهات التحقيق الجنائي الرقمي عن آثار مثل سجل الدخول إلى الأجهزة، والرسائل أو المحادثات، وبيانات الحسابات، وآثار عمليات الدفع، والملفات أو الصور المرتبطة بالعملية، وغيرها من القرائن الرقمية.

 

لكن قوة الدليل لا تأتي بالضرورة من أثر واحد، وإنما من تجميع مجموعة من الآثار الصغيرة التي تتوافق زمنيًا ومنطقيًا.

وهنا تظهر أهمية ما يسمى في التحقيقات الرقمية بـ«سلسلة الحيازة»، أي ضمان أن البيانات التي جرى الحصول عليها هي نفسها البيانات التي كانت موجودة على الجهاز أو الحساب، وأنها لم تتعرض للتعديل أو العبث منذ ضبطها وحتى تقديمها كدليل.

وفي حالة الـDark Web تحديدًا، لا ينبغي الانطلاق من فكرة أن إخفاء الهوية يعني استحالة التحقيق.

قد تكون هناك طبقات متعددة من الأدلة خارج الموقع نفسه: جهاز المستخدم، وسائل الدفع، الاتصالات المرتبطة بعملية التسليم، أو آثار أخرى نشأت قبل أو بعد استخدام الشبكة الخفية.

وبالتالي فإن التحقيق الرقمي الناجح لا يعتمد بالضرورة على كشف هوية المستخدم داخل الـDark Web بصورة مباشرة، وإنما على الربط بين الأدلة الرقمية والمادية والزمنية للوصول إلى قرينة متماسكة.

 

 

*بعد حادث 15 مايو.. هل نحن أمام جريمة تقليدية استخدمت وسيلة إلكترونية حديثة، أم أمام تطور جديد في شكل الجريمة يستدعي مواجهة أمنية ورقمية مختلفة؟

 

في تقديري، واقعة 15 مايو تمثل في الأساس جريمة تقليدية من حيث الدافع والسلوك الإجرامي، لكنها تكشف تطورًا مهمًا في البنية التمكينية للجريمة.

بمعنى أن التكنولوجيا لم تستبدل الجريمة التقليدية، وإنما دخلت في مرحلة الإعداد والتنفيذ بوصفها أداة جديدة للوصول إلى وسيلة ارتكابها.

وبحسب ما أعلنته النيابة العامة، أقر المتهم بشراء السلاح والذخائر المستخدمة في الواقعة عبر أحد مواقع الـDark Web، وهو ما يجعل البعد الرقمي جزءًا من سلسلة الجريمة، وليس بالضرورة أن يحولها إلى جريمة إلكترونية بالمعنى التقليدي.

 

وهنا تظهر فكرة «الجريمة الهجينة»، حيث يبدأ الفعل الإجرامي في العالم الرقمي ثم ينتقل إلى العالم المادي.

فالمجرم قد يستخدم الإنترنت المظلم للوصول إلى سلعة أو خدمة غير مشروعة، لكنه في النهاية يرتكب فعله في شارع أو منزل أو مؤسسة.

ولذلك فإن الفصل التقليدي بين الجريمة الإلكترونية والجريمة العادية لم يعد كافيًا لفهم بعض أنماط الجريمة الحديثة.

التطور الأخطر هو أن التكنولوجيا تستطيع خفض بعض الحواجز التي كانت تقف أمام الجريمة في الماضي، وتتيح الوصول إلى أسواق أو خدمات غير مشروعة مع قدر أكبر من التخفي.

لكن الحل ليس التعامل مع كل جريمة تستخدم الإنترنت باعتبارها جريمة إلكترونية بالكامل، وإنما توسيع مفهوم التحقيق الأمني نفسه.

المحقق في مثل هذه الحالات يحتاج إلى الجمع بين مسرح الجريمة والأدلة الجنائية المادية من ناحية، والأدلة الرقمية والمالية والاتصالات الإلكترونية من ناحية أخرى.

وبعبارة واضحة: لم نعد أمام عالمين منفصلين؛ جريمة تقليدية هنا وجريمة إلكترونية هناك، وإنما أمام جريمة قد تبدأ بضغطة زر وتنتهي في العالم الحقيقي.

وهذا هو التحدي الأمني الحقيقي خلال السنوات المقبلة: امتلاك القدرة على قراءة السلسلة الكاملة للجريمة، من التخطيط، مرورًا بالحصول على الأدوات، وصولًا إلى التنفيذ، مع الالتزام الكامل بالقانون وحماية الاستخدامات المشروعة للتكنولوجيا.

 

 

*وفي النهاية.. ما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى المواطن؟

 

الرسالة الأهم هي ألا نتعامل مع الـDark Web بمنطق الأساطير أو المبالغة، وألا نستهين في الوقت نفسه بالمخاطر التي يمكن أن تنتج عن إساءة استخدامه.

الإنترنت المظلم ليس عالمًا سحريًا لا يمكن الوصول إليه، وليس كل من يستخدم تقنيات الخصوصية مجرمًا.

لكن في المقابل، يجب أن ندرك أن الجريمة تتطور مع التكنولوجيا، وأن أدوات إنفاذ القانون مطالبة بالتطور بالسرعة نفسها.

والأهم هو رفع الوعي الرقمي لدى المواطنين والأسر والشباب، لأن مواجهة الجريمة الحديثة لا تعتمد على الأمن وحده، وإنما على الوعي والتكنولوجيا والتشريع والتعاون الدولي.

وفي النهاية، التكنولوجيا ليست هي الجريمة؛ الخطر يبدأ عندما تتحول التكنولوجيا إلى أداة في يد من يملك نية إجرامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى