الرئيسيةمقالات الرأي

السيد خلاف يكتب : اتفاق مكة.. مصر لا تشتري الحلفاء ولا تبيع قرار الحرب

عبد العاطي يضع «الدستور» في مواجهة الالتزام العسكري.. والخليج أمام درس «الحلفاء على الفاتورة»

 

لم يكن لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره التركي هاكان فيدان في العلمين لقاءً دبلوماسيًا عاديًا.

كان هناك سؤال أكبر ينتظر الإجابة:

هل تنضم مصر إلى «اتفاق مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان؟

فيدان كان واضحًا: تركيا تريد مصر داخل الاتفاق،أما عبد العاطي فلم يقل «نعم»، ولم يقل «لا»، لكنه وضع قيدًا بالغ الدلالة: الاتفاقات الدفاعية تحتاج إلى دراسة دقيقة في ضوء الاعتبارات القانونية والدستورية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية..لأن مصر لا تتعامل مع «اتفاق مكة» باعتباره مجرد تعاون عسكري جديد، وإنما باعتباره احتمال انتقال من التعاون إلى الالتزام، ومن التنسيق إلى احتمال تحمل تبعات حرب قد تبدأ بسبب تعرض حليف آخر لهجوم، وهذا فرق استراتيجي هائل.

مصر تسأل السؤال الذي يجب أن يسبق التوقيع: لماذا تحتاج القاهرة إلى اتفاق دفاع مشترك؟

مصر لديها بالفعل علاقات عسكرية وأمنية وسياسية مع السعودية وتركيا وباكستان، وموجود إطار رباعي يجمع الدول الأربع..إذن لماذا تحتاج إلى اتفاق دفاع مشترك؟

لكن السؤال الحقيقي:هل مصالح هذه الدول متطابقة إلى الدرجة التي تجعلها مستعدة لخوض الحرب نفسها؟

هنا يصبح التحفظ المصري مفهومًا،

فالتعاون يمنح الدولة حرية الحركة، بينما الالتزام الدفاعي قد يضعها أمام سؤال مختلف:

إذا تعرضت دولة من الحلفاء لهجوم، هل تصبح مصر ملزمة بالقتال؟

ومن يحدد أن ما حدث هو «عدوان»؟

ومن يقرر التدخل؟ وأين تقاتل القوات المصرية؟ وتحت أي قيادة؟ وبأي تفويض؟

هذه ليست أسئلة دبلوماسية..هذه أسئلة حرب، ولهذا لم تكن إشارة عبد العاطي إلى الدستور جملة بروتوكولية، إنها، في جوهرها، رسالة تقول: مصر لن تمنح أحدًا شيكًا على بياض في قرار الحرب.

 

هل معنى ذلك أن التحالف حلفاء على الفاتورة؟

وهنا نصل إلى الدرس الأوسع الذي يجب أن يقرأه الخليج جيدًا، في الشرق الأوسط هناك نوع غريب من التحالفات؛ تحالفات تزداد حرارة كلما ارتفع حجم الاستثمار، وتصبح أكثر «أخوية» عند توقيع العقود، ثم تظهر فجأة فضائل الحياد والحكمة وضبط النفس عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط.

تركيا وباكستان نموذجان يستحقان القراءة بعيدًا عن لغة «الأشقاء» و«الحلفاء التاريخيين» والصور التذكارية،الدولتان ليستا عدوتين للخليج، ولا ينبغي التعامل معهما كذلك، لكن في المقابل، ليست صك ضمان لأمن الخليج، لأنهما دولتان براغماتيين تعرفان كيف تحولان الأزمات إلى فرص، والمخاوف إلى عقود، والاضطرابات إلى استثمارات.

باختصار:عندما يقلق الخليج.. تتحرك الآلة الحاسبة، تركيا تريد بيع السلاح والمسيّرات والتكنولوجيا، وجذب الاستثمارات الخليجية، وفتح أسواق الخليج أمام شركاتها، وفي الوقت نفسه تريد الاحتفاظ بعلاقة عملية مع إيران، وهذا حقها.

لكن الخطأ هو أن يتصور أحد أن شراء السلاح التركي يحول المصالح التركية تلقائيًا إلى مصالح خليجية،

البائع يبيع السلاح.. لكنه لا يبيع قراره السيادي.

           *****

تركيا مع الجميع.. وضد الجميع

تركيا من أكثر دول المنطقة براعة في إدارة التناقضات، فهي عضو في الناتو، لكنها تتحدث مع روسيا،تنافس إيران في ملفات، وتتعاون معها في التجارة والطاقة وملفات أخرى،تختلف مع إسرائيل بشدة، لكن المصالح تفرض حساباتها، تتحرك في سوريا والعراق وليبيا والقوقاز وشرق المتوسط، وتستخدم القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصاد في الوقت نفسه.

هذه ليست بالضرورة سياسة مرتبكة ،إنها براغماتية شديدة الوضوح ،فهي  لا تبحث عن أصدقاء دائمين بقدر ما تبحث عن أوراق دائمة، والخليج ورقة مهمة جدًا بالنسبة إليها:

استثمارات، تجارة، عقارات، سياحة، تكنولوجيا، ودفاع.

أما إيران فهي ورقة أخرى لا تستطيع أنقرة التخلص منها بسبب الجغرافيا والطاقة والتجارة والأمن الإقليمي..

فلماذا نتوقع من تركيا أن تحرق الورقة الإيرانية من أجل الورقة الخليجية؟..لن تفعل، ولو كنت صانع القرار التركي، فلن أفعل أيضًا.

وباكستان.. نموذج آخر فهي دولة نووية، ولديها جيش كبير ومحترف، وعلاقات تاريخية وعسكرية عميقة مع دول الخليج، لكنها أيضًا دولة تعرف حدود التزاماتها، والتجربة ليست بعيدة.

عندما اندلعت حرب اليمن عام 2015 وطُلبت مشاركة باكستان العسكرية، اختار البرلمان الباكستاني عدم الانضمام إلى الحرب، لم يكن ذلك خيانة، كان ببساطة دفاعًا عن المصلحة الباكستانية.

وهنا الدرس..إذا كانت إسلام آباد قد وضعت حساباتها الإقليمية وأمنها وعلاقتها بإيران فوق رغبة حليف خليجي مهم عندما أصبح المطلوب مشاركة فعلية في حرب، فلماذا نفترض أن المعادلة ستكون مختلفة في أزمة مقبلة؟ خاصة وأن إيران جارة باكستان، وإيران جارة تركيا،

أما الخليج، فعندما يحتاج إليهما، يتحول الخطاب سريعًا إلى «الأخوة التاريخية» و«الشراكة الاستراتيجية».

لكن عند الأزمة الحقيقية، تعود كل دولة إلى السؤال نفسه:أين مصلحتي؟

وهذا ليس عيبًا، بل هو ما تفعله الدول العاقلة.

 إذن المشكلة ليست في تركيا ولا في باكستان، والحقيقة التي ينبغي قولها بلا حساسية هي أن دول الخليج أصبحت سوقًا ضخمة للصناعات الدفاعية العالمية،كلما ارتفع الخوف من إيران، ارتفعت شهية المنتجين للسوق الخليجية.

الأمريكي يريد أن يبيع،والأوروبي يريد أن يبيع، والتركي يريد أن يبيع،

والباكستاني يريد نصيبه..هذه ليست جمعية خيرية دولية،إنها صناعة بمئات المليارات من الدولارات.

ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه الخليج هو الخلط بين البائع والحليف،

الدولة التي تبيعك طائرة ليست ملزمة بإرسال طياريها عندما تبدأ الحرب،

والشركة التي تبيعك صاروخًا ليست مسؤولة عن إطلاقه دفاعًا عنك،المال يشتري السلاح.. لكنه لا يشتري الدم.

وهنا بالضبط يجب أن نفهم معنى «الحليف»…مصر تفهم هذه المعادلة جيدًا،ربما لهذا تبدو القاهرة أكثر تحفظًا تجاه «اتفاق مكة» ،ومع ذلك

مصر لا ترفض التعاون مع السعودية أو تركيا أو باكستان، ولا ترفض التنسيق العسكري، ولا ترفض بناء ترتيبات أمنية إقليمية..لكنها تميز بين ثلاثة أشياء: التعاون ، والشراكة والالتزام بالحرب.

الأول والثاني يمكن أن تتسع دائرتها،

أما الثالث، فله حساب مختلف تمامًا،

فمصر لا تريد أن تصبح جزءًا من محور إقليمي جديد لمجرد أن الآخرين قرروا إنشاءه،ولا تريد أن تجد جيشها أمام حرب لم يحدد هو توقيتها أو أهدافها أو حدودها.

مصر يمكن أن تقود تحالفًا عندما تقتضي مصالحها ذلك، لكنها لا تريد أن تكون قوة احتياط في تحالف يقرر الآخرون متى تستخدم،وهنا تكمن قيمة الإشارة إلى الدستور.

             *****

«اتفاق مكة».. هل يحمي الخليج أم يوسّع دائرة الالتزام؟

إذا كان الهدف من الاتفاق تعزيز الردع وحماية الدول الموقعة، فهذا هدف مفهوم، لكن أي منظومة دفاع جماعي في منطقة شديدة الاستقطاب يمكن أن تنتج نتيجة عكسية، فبدل أن تمنع الحرب، قد تدفع أطرافًا أخرى إلى التعامل معها باعتبارها محورًا عسكريًا جديدًا.

وعندها تبدأ سباقات التسلح،وتتسع المحاور،ويصبح الشرق الأوسط أمام معادلة:ومحور في مواجهة محور.

وهنا يجب أن تسأل مصر نفسها، كما يجب أن يسأل الخليج نفسه:

هل نحن نبني منظومة أمن إقليمي.. أم نبني منظومة التزامات متبادلة يمكن أن تجرنا إلى حرب أكبر؟

الخليج يحتاج إلى نفسه أولًا، وهنا جوهر المسألة،والخليج لا يحتاج إلى معاداة تركيا، ولا إلى خسارة باكستان، بل العكس.

يجب توسيع العلاقات معهما، وشراء ما يحتاجه منهما، والاستثمار حيث تكون المصلحة، وبناء أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة، لكن دون رومانسية سياسية:

صفقة السلاح صفقة.

والاستثمار استثمار.

والتحالف تحالف.

ولا ينبغي الخلط بين الثلاثة.

الأمن الحقيقي يبدأ عندما تصبح دول الخليج قادرة على حماية مجالها الجوي ومياهها ومنشآتها النفطية ومدنها دون انتظار قرار في واشنطن أوأنقرة أوإسلام آباد.

فهي تحتاج إلى شبكة دفاع جوي وصاروخي مشتركة، وإلى قيادة وسيطرة واستخبارات متكاملة، وإلى صناعة محلية للصواريخ والمسيّرات والذخائر،وإلى أمن سيبراني قوي،

وإلى قوة ردع تجعل أي طرف يفكر ألف مرة قبل أن يقرر الهجوم.

وللأسف الشديد لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال منظومة أمنية متكاملة تحت مظلة الأمن القومي العربي وقوة عربية مشتركة ، لأن دول مجلس التعاون أثبت فشلا أمنيا وسياسيا بمظلة القواعد الأمريكية.

               *****

من يشتري الحلفاء.. يدفع ثمن الوهم

وهنا يعود السؤال إلى «اتفاق مكة» وإلى الموقف المصري في آن واحد،

هل التحالف هو كثرة الاتفاقيات؟

أم قدرة الدولة على اتخاذ قرارها بنفسها عندما تبدأ الحرب؟

المشكلة ليست في أن تكون لتركيا أو باكستان مصالح مع الخليج، وانما

أن يتصور أحد أن المليارات يمكن أن تشتري ولاءً عسكريًا دائمًا.

 لأنه عندما  تأتي الأزمة الحقيقية، فيصدر الحليف بيانًا يدعو إلى «ضبط النفس»، وتكتشف أنك دفعت ثمن السلاح، وثمن الاستثمار،وثمن المشاريع، وربما ثمن الودائع،أما التحالف فلم يكن ضمن الفاتورة.

ولهذا تفهم مصر ما وراء السؤال

فيدان جاء إلى القاهرة برسالة واضحة:نريد مصر معنا، وعبد العاطي رد برسالة أكثر هدوءًا:

مصر تدرس،لكن بين الجملتين مسافة استراتيجية هائلة،القاهرة لا تغلق الباب، لكنها لا تريد أن تدخل قبل أن تعرف أين ينتهي الباب، لا تريد أن تعرف فقط من هم الحلفاء،بل تريد أن تعرف:من هو العدو؟ ومتى تصبح الحرب حربنا؟ ومن يملك قرار إدخال الجيش المصري إليها؟ وهذا هو جوهر الموقف.

لذلك فإن تحفظ مصر ليس ترددًا،إنه دفاع عن حرية القرار المصري،

والدرس الأوسع للخليج أن الأمن لا يمكن استئجاره بالكامل من الخارج،

ففي عالم السياسة لا يوجد «صديق إلى الأبد».

وأري أن السؤال الذي يجب أن يطرحه الخليج على نفسه:

متى نتوقف عن شراء الحلفاء، ونبدأ في بناء القوة التي تجعل الآخرين هم من يسعون إلى التحالف معنا؟

لأن أخطر شيء يمكن أن تخسره الدولة ليس حليفًا، بل قرارها المستقل بالحرب والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى