الرئيسيةمقالات الرأي

د عبد الله صادق دحلان يكتب : اتفاقية مكة.. تحالف للسلام وقوة تحمي الأمن والسيادة

لم تكن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاقية عسكرية جديدة، بل تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تؤكد أن أمن الدول وسيادتها واستقرار شعوبها ليست أمورًا قابلة للمساومة، وأن السلام المستدام يحتاج إلى قوة تحميه وردع يمنع تهديده.

واختيار مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاقية يضفي عليها دلالة تتجاوز الحسابات السياسية والجغرافية؛ فمكة أرض الأمن والسلام ومهوى أفئدة المسلمين، ومن هذا المكان تأتي رسالة واضحة بأن القوة المنشودة ليست قوة للعدوان أو التوسع، وإنما قوة لحماية الأوطان وصون السيادة وردع من يفكر في تهديد أمن المنطقة واستقرارها.

والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي ومكانة إقليمية ودولية، أثبتت على مدار تاريخها أنها دولة تسعى إلى السلام، وتدعم الحوار والوساطة، وتعمل على احتواء الأزمات وتعزيز الاستقرار. غير أن السعي إلى السلام لا يعني التخلي عن حق الدفاع عن الوطن، والحكمة لا تعني التهاون أمام أي تهديد، والانفتاح على الحلول السياسية لا يتعارض مع امتلاك أدوات الردع وحماية المصالح الوطنية.

وتكتسب الاتفاقية أهميتها كذلك من كونها تجمع ثلاث دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وعسكري وبشري كبير، بما يعزز التنسيق والتعاون في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، ويؤكد أن حماية الاستقرار في المنطقة أصبحت تتطلب شراكات متوازنة وتنسيقًا مستمرًا وتبادلًا للخبرات وبناء قدرات دفاعية قادرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة.

وفي هذا السياق، فإن قوة أي دولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة ومعدات عسكرية، وإنما كذلك بقوة اقتصادها، وتطور صناعاتها الدفاعية، وقدراتها التكنولوجية، وأمنها السيبراني، واستثمارها في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أمنها الغذائي والمائي، والأهم من ذلك كله تماسك جبهتها الداخلية ووحدة شعبها.

وهنا تظهر إحدى أهم ركائز قوة المملكة؛ فخلف القيادة السعودية يقف شعب يدرك قيمة وطنه وأهمية أمنه واستقراره. وقد تختلف الآراء والاجتهادات في القضايا اليومية، وهو أمر طبيعي في المجتمعات الحيوية، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة وسيادتها ووحدة أراضيها ومقدساتها، تتوحد الصفوف وتعلو راية الوطن فوق أي اختلاف.

والدفاع عن المملكة ليس مسؤولية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وحدها، رغم الاعتزاز الكبير برجالها وتضحياتهم، وإنما هو مسؤولية وطنية تتشارك فيها جميع فئات المجتمع، كل من موقعه وبقدرته؛ فالمواطن يدافع عن وطنه بعمله وإنتاجه ووعيه، ويحميه بالمحافظة على مؤسساته واقتصاده ومقدراته، وبالتمسك بالوحدة الوطنية ومواجهة الشائعات ومحاولات زعزعة الاستقرار.

كما أن المملكة لم تعد وطنًا لمواطنيها فقط، بل أصبحت بيئة آمنة لملايين المقيمين من مختلف الجنسيات والثقافات، الذين يشاركون في مسيرة البناء والتنمية. ومن ثم فإن استقرار المملكة يمثل مصلحة تتجاوز حدودها، وأي تهديد لأمنها ستكون له تداعيات إنسانية واقتصادية واستراتيجية واسعة.

ومن الخطأ النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها خطوة نحو الحرب؛ فالقوة الدفاعية الحقيقية قد تكون في جوهرها وسيلة لمنع الحرب. فكلما كان الردع أكثر وضوحًا، أصبحت حسابات الاعتداء أكثر صعوبة، وكلما امتلكت الدول قدرة حقيقية على حماية نفسها وحلفائها، ازدادت فرص الوصول إلى سلام مستقر قائم على توازن المصالح واحترام السيادة.

وفي عالم سريع التغير، أصبحت معادلة الأمن أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك السلاح. فالأمن يرتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن السيبراني والغذاء والمياه والصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، لكن كل هذه العناصر تظل بحاجة إلى أساس أكثر أهمية، وهو وحدة المجتمع وثقة الشعب في مؤسساته وقيادته.

إن اتفاقية مكة، بهذا المعنى، يمكن أن تمثل إطارًا لتعزيز الأمن والاستقرار، ورسالة بأن السلام يحتاج إلى إرادة سياسية، وأن حماية السلام تتطلب في الوقت نفسه قدرات دفاعية موثوقة وشراكات استراتيجية قوية.

فالمملكة دولة سلام، وستظل يدها ممدودة لكل من يريد الاستقرار والتعاون، لكنها في الوقت ذاته دولة تعرف قيمة أرضها وسيادتها ومقدساتها ومصالحها. وخلف قيادتها يقف شعب يعتز بوطنه ويدرك أن حماية أمنه مسؤولية مشتركة.
فالسلام هو الخيار، والردع هو الحماية، والوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول.. وستظل سيادة المملكة وأمنها واستقرارها فوق كل اعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى