السيد خلاف يكتب: ماوراء الكواليس في زيارة الرئيس الصيني للقاهرة ؟
الصين.. ومصر.. طموح يغيّر موازين القوى العالمية..
ليس كل ما سيحدث في زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة سيظهر في الصور الرسمية، أو في كلمات الترحيب، أو حتى في البيانات الختامية.
الرئاسة المصرية أعلنت أن الزيارة ستبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية، فيما أكدت بكين أن زيارة شي، الأولى إلى مصر منذ عشر سنوات، تأتي ضمن جولته من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر..لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيوقع الرئيسان؟ وإنما لماذا مصر الآن؟ ولماذا يأتي شي جين بينج بنفسه إلى القاهرة في هذه اللحظة تحديدًا؟
هنا تبدأ الكواليس..مصر ليست مجرد سوق للصين فهي لا تبحث عن سوق جديدة لبيع بضائعها،وانما عن قاعدة إنتاج خارج الصين،بوابة إلى إفريقيا،
جسر إلى أوروبا،وقاعدة صناعية
على أهم ممر بحري في العالم.
وهذا هو أحد أسرار التوسع الصيني،
فبكين تدرك أن السنوات المقبلة قد تشهد مزيدًا من الضغوط التجارية والتكنولوجية عليها، وأن الاعتماد الكامل على الإنتاج داخل الأراضي الصينية يجعلها أكثر عرضة للحصار الاقتصادي والحروب التجارية.
لذلك يصبح نقل جزء من الصناعة ورؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج إلى دول استراتيجية جزءًا من عملية تأمين المستقبل الاقتصادي الصيني.
وهنا تظهر مصر.
ما يجري ليس مجرد إنشاء مصنع أو اثنين،المنطق الاقتصادي الجديد يقوم على بناء منظومة متكاملة:مصانع،
وطاقة،موانئ،نقل،مناطق صناعية،
تكنولوجيا،سلاسل توريد،ثم تصدير،
وهذا هو الفارق بين مستثمر يأتي بأمواله ويغادر، وبين دولة كبرى تضع جزءًا من مصالحها الصناعية داخل بلد آخر،فالمصنع لا يهرب بسهولة،والميناء لا ينتقل،وخطوط الإنتاج لا تسحب أموالها من السوق بضغطة زر.
ومن هنا تظهر فكرة أكثر أهمية:
كلما زادت الاستثمارات الصينية الثابتة في مصر، أصبح استقرار مصر مصلحة اقتصادية مباشرة للصين،وهذه ليست عاطفة سياسية.
إنها لغة المصالح.
القاهرة تبدو وكأنها تسعى إلى بناء شبكة مصالح تجعل استقرار مصر قضية لا تخص المصريين وحدهم، بل تخص الدول التي وضعت مصانعها وأموالها وأصولها الاستراتيجية على الأرض المصرية.
لكن أين الكواليس؟ الواقع يقول إن الاقتصاد هنا ليس منفصلًا عن السياسة، كل مصنع صيني جديد في مصر يمنح بكين مصلحة أكبر في استقرارها، وكل توسع اقتصادي صيني يمنح القاهرة ورقة إضافية في علاقتها بالقوى الكبرى،وهنا تتحول العلاقة إلى معادلة متبادلة:
الصين تحتاج إلى مصر مستقرة وآمنة..ومصر تحتاج إلى استثمارات وتكنولوجيا وأسواق جديدة.
لكن القاهرة لا تريد أن تصبح «تابعة لبكين»،والدليل هو أن السياسة المصرية لا تتحرك بمنطق استبدال واشنطن بالصين،بل بمنطق:
كلما زادت البدائل، زادت حرية القرار.
*****
الكواليس العسكرية وما وراء «نسور الحضارة»
قبل زيارة الرئيس الصيني، كان هناك حدث لا يقل أهمية:كان هناك التدريب العسكري للقوات الجوية في البلدين
«نسور الحضارة 2026» في مصر، وشمل التدريب موضوعات مرتبطة بتكتيكات القتال الجوي وعمليات السيطرة الجوية والبحث والإنقاذ القتالي وتوظيف القوات.
وهنا يجب أن نتوقف، لأن المناورات العسكرية ليست مجرد طائرات تحلق أمام الكاميرات،المناورة تعني:
التعرف على عقيدة قتالية مختلفة، اختبار القدرة على العمل المشترك،
دراسة التكنولوجيا،تبادل الخبرات،
وبناء علاقات مباشرة بين المؤسسات العسكرية.
والأهم: فتح الباب أمام مستوى جديد من التعاون الدفاعي،وهنا تأتي الرسالة التي لا تُقال بصوت مرتفع،
مصر، التي اعتمدت لعقود على مصادر تسليح غربية وشرقية متنوعة، لا تريد أن يكون أمنها العسكري رهينة لمفتاح واحد، والصين، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الصناعات العسكرية، تريد أن تثبت أن حضورها الدفاعي لم يعد محصورًا في شرق آسيا.
لكن لا ينبغي القفز إلى استنتاجات غير معلنة، فالمناورات والتعاون العسكري المتنامي لا تعني بالضرورة وجود تحالف عسكري مصري صيني،
غير أن الاتجاه نفسه واضح:القاهرة توسع خياراتها، وبكين توسع دوائر حضورها.
لكن ..لماذا مصر بالذات؟لأن الصين لا تستطيع أن تدخل الشرق الأوسط بعقلية القوة العسكرية التقليدية،
فالمنطقة مزدحمة بالقواعد الأمريكية والتحالفات والصراعات،لكن الصين تستطيع الدخول بطريقة أخرى:
الاقتصاد أولًا.
ثم التكنولوجيا.
ثم الصناعة.
ثم الشراكات الاستراتيجية.
ثم التعاون الأمني والعسكري.
وهنا تختلف مصر عن كثير من دول المنطقة موقعها جيشها،قناة السويس
موانئ ،قاعدة صناعية،ونفوذ سياسي في إفريقيا والعالم العربي، لذلك، فإن مصر بالنسبة للصين ليست مجرد محطة على طريق«الحزام والطريق» ،إنها عقدة جغرافية واستراتيجية.
*****
المكايدة السياسية والرسالة التي ستصل إلى واشنطن
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية،
لأن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة تأتي بينما يتصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة على التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد والنفوذ العالمي.
ومن الطبيعي أن تراقب واشنطن أي توسع صيني في منطقة كانت تاريخيًا أحد أهم مجالات نفوذها..لكن القاهرة تعرف لعبة التوازن،هي لا تقول لواشنطن:الصين بديلا عنكم ،بل تقول عمليًا:مصر لديها خيارات..وهذا فارق هائل.
فالدولة التي لا تملك إلا بابًا واحدًا، يمكن الضغط عليها،أما الدولة التي تملك أبوابًا متعددة، فتستطيع التفاوض،من هنا تأتي «المكايدة السياسية» الحقيقية،وجود الصين لا يعني خروج أمريكا،وعلاقات مصر مع أمريكا لا تمنع تعاونها مع الصين،
القاهرة تحاول أن تقول للطرفين:
مصر ليست جائزة يفوز بها محور ضد محور،الصين تستدعى إلى الشرق الأوسط.. ولكن بشروط مصرية
هناك قراءة أعمق لما يحدث..الصين تحتاج إلى منطقة مستقرة،لأن تجارتها تحتاج إلى ممرات آمنة،
وصناعتها واستثماراتها تحتاج إلى حماية سياسية،وفي المقابل، تحتاج مصر إلى عالم متعدد الأقطاب، لا تستطيع فيه قوة واحدة أن تحتكر القرار أو تفرض شروطها،وهنا تتلاقى المصالح.
لكن القاهرة لا تريد أن تستدعي الصين لكي تسلمها مفاتيح المنطقة،
ولا تريد أن تتحول إلى قاعدة صينية ضد الغرب،بل تريد أن تستخدم صعود الصين كجزء من إعادة تشكيل ميزان القوى،الصين قوة كبرى،وأمريكا أيضا، وروسيا قوة مؤثرة،ومصر تريد أن تكون لاعبًا يتعامل مع الجميع، لا تابعًا لأحد.
*****
الإستقرار إستثمار
ربما تكون هذه أخطر نقطة في المشهد كله،الدول لا تحمي دائمًا أصدقاءها،لكنها تدافع عن مصالحها،
ولهذا فإن ربط مصر بمشروعات صناعية واستثمارات ضخمة وأصول ثابتة لا يعني فقط تحقيق أرباح اقتصادية،إنه يعني خلق مصالح دولية مرتبطة باستقرار الدولة المصرية، فكل مشروع تكنولوجي،كل خط إنتاج،
هو في النهاية جزء من شبكة مصالح
وهذه هي فلسفة «صيانة الوجود»،
أن تجعل سقوط الدولة أو اضطرابها مكلفًا ليس عليها فقط، بل على أطراف دولية كبرى لديها مصالح حقيقية على أرضها،وهنا يتحول الاقتصاد إلى أحد أدوات الأمن القومي.
الزيارة الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ عقد كامل تأتي في لحظة استثنائية:علاقات استراتيجية عمرها سبعون عامًا،تنافس عالمي محتدم،
تعاون عسكري يتوسع،صناعة صينية تبحث عن أسواق وقواعد إنتاج جديدة ، ومصر تبحث عن التكنولوجيا والاستثمارات وتعزيز استقلال قرارها.
لذلك فإن ما يجري خلف الكواليس أكبر من مجرد توقيع اتفاقيات،
إنه تفاهم بين دولتين لكل منهما مشروعه الخاص..الصين تريد تأمين طريقها إلى العالم ،ومصر تريد أن تصبح جزءًا من الطريق، لا مجرد محطة يمر بها الآخرون،الصين تريد قاعدة صناعية استراتيجية.
ومصر تريد أن تتحول من سوق إلى مصنع،الصين تريد توسيع نفوذها،
ومصر تريد توسيع هامش قرارها،
ولهذا فإن أخطر ما في زيارة شي جين بينج إلى القاهرة قد لا يكون ما سيظهر في البيان الختامي،بل ما يمكن أن تبدأه بعدها:مصانع أكثر،
تكنولوجيا أعمق،تعاون دفاعي أوسع،
معادلة سياسية جديدة.
معادلة تقول إن القاهرة لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الشرق والغرب،لأن مصر، ببساطة، تريد أن تكون هي نفسها أحد مراكز القوة في عالم يتغير،وهنا تحديدًا يصبح عنوان المرحلة: الصين.. ومصر.. طموح يغيّر موازين القوى العالمية.





