علي حسين البجيري يكتب من اليمن : إلى متى ستظل أمة المليارين عربياً ومسلماً معامل تجارب لقوى الاستكبار ؟

مرت سنوات طويلة منذ سقوط دولة الخلافة العثمانية ، والأمة العربية والإسلامية تعيش أوضاعاً متقلبة وغير مستقرة ، في صراعات ومناوشات ومؤامرات ودسائس وفتن وحروب واقتتال لا يكاد ينتهي.
لقد ركزت قوى الاستكبار ومشاريعها على إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم ، فدعمت بعض الدويلات الصغيرة التي أُريد لها أن تؤدي أدواراً وظيفية محددة لخدمة اهداف هذه القوى ، ووفرت لها الأمن والاستقرار وساعدتها على حماية ثرواتها وتعظيمها ، حتى أصبحت نماذج للرفاه والرخاء والاستقرار ، في الوقت الذي تُرك محيطها يغلي بالصراعات والأزمات.
وفي المقابل ، جرى إشعال الفتن في محيط هذه الدويلات ، وتأجيج المذهبية والطائفية والعنصرية والقبلية والتشدد الحزبي ، وصناعة جماعات متطرفة تحت مسميات مختلفة ، ثم تقديمها للعالم باعتبارها صورة للإسلام ، بهدف تشويه صورة الدين الإسلامي الحنيف والإساءة إلى رسالته الإنسانية العظيمة ، والحقيقة أن الإسلام المحمدي الصحيح بريء من كل ذلك.
فالإسلام لا يدعو إلى الإرهاب ، ولا إلى قتل الأبرياء ، ولا إلى الإجرام والخراب والدمار ، وإنما جاء ليقيم العدل ويحفظ كرامة الإنسان ويصون الدماء والأعراض والأموال ، ويدعو للتعايش السلمي بين الأمم ويجعل الرحمة والسلام والتعاون من القيم التي تحفظ حياة الشعوب والمجتمعات.
لقد آنَ للأمة أن تستعيد وعيها ، وأن تعرف أين تكمن مصالحها ، وأن تبني قرارها المستقل ، وأن تتوقف عن استنزاف نفسها في صراعات لا تخدم إلا أعداءها ، فقلد آن لها ان تدرك حجم المؤامرات ، و أن تدرك أن ثرواتها ومقدراتها أصبحت غنيمة للقوى الكبرى ، وأن شعوبها ليست أدوات في مشاريع الآخرين ، وأن أمنها واستقرارها لا ينبغي أن يكونا مرهونين بإرادة الخارج.
فالأمة التي تملك الثروات الهائلة ، والتاريخ العريق ، والموقع الاستراتيجي ، وملياري إنسان ، لا يجوز أن تبقى أسيرةً للفرقة والصراع والوصاية ، والسؤال الذي سيظل مطروحاً بقوة : إلى متى ستظل بلدانكم مستباحة ومجرد ساحات للصراع ، وأدوات في مشاريع الآخرين ، وفئران تجارب لمخططات القوى الكبرى ؟
لقد آنَ للأمة أن تنهض من حالة الاستنزاف ، وأن تستعيد قرارها وإرادتها وكرامتها وسيادتها ، وأن تبني مستقبلها بيدها ، لا أن تنتظر أعداءها ليرسموا لها حاضرها ومستقبلها ، فالأمم التي لا تصنع قرارها بنفسها ، سيصنع الآخرون مستقبلها نيابةً عنها ، ولكن مستقبلاً يضمن بقاء هيمنتهم عليها ، ويبقيها اسيرة وخاضعةً للأمر الواقع ، ومشدودة لإرادتهم ، تنفذ ما يُملى عليها دون نقاش أو اعتراض.
إن أمة الإسلام اليوم تُضرب وتُهان تحت شعارات زائفة ومتعددة ، ويُراد لها أن تبقى أسيرةً للخوف والانقسام والضعف ، فقد دخلت علينا الصهيونية العالمية وبعض القوى الغربية من أبواب متعددة ، دخلت علينا من باب الإرهاب ، رغم أن كثيرا من السياسات الدولية التي ساهمت في صناعة بيئات التطرف والإرهاب لا يمكن فصلها عن تاريخ المنطقة وصراعاتها ، ثم جرى إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين ، وكأن ديناً بأكمله مسؤول عن جرائم ارتكبتها جماعات صنعها الصهاينة انفسهم ومعهم بعض دول الغرب ، فهذه الجماعات لا تمثل الإسلام ولا المسلمين ، بل تمثل حقيقة صانعيها ثم دخلوا علينا من أبواب أخرى ، تحت عناوين حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل والحريات ، وهي مبادئ إنسانية عظيمة لا نرفضها في أصلها ، لكننا نرفض أن تتحول إلى أدوات سياسية انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح الأقوياء ، ويُتجاهل مضمونها حين يتعلق الأمر بضحايا لا يريدون رؤيتهم.
فأين حقوق الإنسان مما يجري في فلسطين ؟ أين حقوق الطفل أمام الأطفال الذين يُقتلون ويُيتمون ويُهجّرون ؟ وأين حقوق المرأة أمام النساء اللواتي يفقدن أبناءهن وبيوتهن وأمنهن ؟ وأين كل تلك الشعارات أمام مشاهد القتل والدمار والمعاناة التي يشهدها العالم ؟ في اليمن والسودان وليبيا وفلسطين ، وقبلهما في الصومال و أفغانستان.
إن المشكلة ليست في مبادئ حقوق الإنسان ، وإنما في ازدواجية المعايير : مكيالٌ يُستخدم مع من يريدون معاقبته ، ومكيالٌ آخر يُستخدم مع من يريدون حمايته ، يكيلون بمكيالين يغضون الطرف هنا ، ويفتحون أعينهم هناك ، ويصمتون أمام جرائم ، ثم يرفعون أصواتهم أمام جرائم أخرى ، وفقاً للمصلحة والهوى السياسي.
وهذه الازدواجية تتحول إلى وسيلة ضغط وابتزاز وإخضاع ، لإبقاء هذه الأمة في حالة ضعف وتشتت ، عاجزة عن امتلاك قرارها ، ومحتاجة دائماً إلى رضا الآخرين ورحمتهم ، شيء مؤسف ، لكن زمن الخضوع لا ينبغي أن يستمر إلى الأبد ، لقد آنَ للأمة أن تستفيق من سباتها ، وأن تستعيد وعيها وكرامتها وإرادتها ، وسيادتها وأن تعرف أن قوتها الحقيقية ليست في ثرواتها وحدها ، وإنما في وحدتها ووعي شعوبها وقدرتها على صناعة قرارها بنفسها.
لقد آنَ لها أن تقول : كفى
كفى أن نكون ساحاتٍ لصراعات الآخرين ، كفى أن تكون ثرواتنا ومقدراتنا وقوداً لمشاريعهم ، كفى أن يُرسم مستقبلنا في عواصم لا تنتمي إلينا ، نحن أمة تملك التاريخ والجغرافيا والثروات والبشر ، وما ينقصها ليس الإمكانات ، وإنما الإرادة والادارة والقرار والشجاعة ، فإذا امتلكت الأمة قرارها ، لن يستطيع أحد أن يجعل منها فئران تجارب ، وإذا امتلكت إرادتها فلن يستطيع أحد أن يفرض عليها أمراً واقعاً إلى الأبد ، وإذا استيقظت من غفلتها ، فلن يكون مستقبلها ملكاً لأعدائها ، بل ستكتبه هي بيدها.
فهل آنَ لأمة المليارين أن تستفيق ؟
حسبنا الله ونعم الوكيل ،،،





