الرئيسيةمقالات الرأي

تحسين بابات يكتب من تركيا : بارونات الإرهاب

# بارونات الإرهاب

### نعرف من يضغط على الزناد… ولكن من يربح ما دام الإرهاب مستمراً؟

عندما يُذكر الإرهاب، فإن الصورة التي تتبادر إلى أذهاننا غالباً هي صورة الإرهابي المسلح.

يحمل سلاحاً، وينتمي إلى تنظيم، وقد يكون منفذاً لهجوم أو مخططاً له أو مشاركاً في تنفيذه.

لكن اختزال الإرهاب في الشخص الذي يضغط على الزناد يعني النظر فقط إلى الجزء الأكثر وضوحاً من الصورة الكبيرة.

فالسلاح يحتاج إلى المال.

والذخيرة، والمأوى، والنقل، والاتصالات، والدعاية، والوثائق المزورة، والخدمات اللوجستية، واستمرار البنية التنظيمية… كلها تحتاج إلى المال.

إذن، لنغيّر السؤال:

**الإرهابي يحمل السلاح، ولكن كيف يستمر النظام الاقتصادي الذي يتيح له حمل هذا السلاح؟**

والأهم من ذلك:

# من أين يأتي المال؟

## الجبهة الخفية للإرهاب

للإرهاب أيديولوجيا.

ولكن له أيضاً اقتصاد.

تشير الدراسات الدولية إلى أن تمويل الإرهاب يمكن أن يتقاطع مع وسائل متعددة؛ من الابتزاز وجمع الأموال بالإكراه إلى الفدية، ومن تهريب المخدرات والأسلحة إلى الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ومن التجارة غير المشروعة بالموارد الطبيعية إلى الأنشطة التجارية والشركات الواجهة والتحويلات النقدية والرقمية.

لكن يجب هنا وضع فاصل قانوني بالغ الأهمية:

ليس كل مهرّب مخدرات إرهابياً.

وليس كل من يدير شبكة مراهنات غير مشروعة ممولاً للإرهاب.

ولا تتحول شبكة إجرامية متورطة في الاتجار بالبشر أو الاتجار بالأشخاص بغرض نزع الأعضاء تلقائياً إلى تنظيم إرهابي.

كما لا يمكن القول إن كل من يتورط في صادرات وهمية أو فواتير مزورة أو غسل الأموال مرتبط بالإرهاب.

**كل واحدة من هذه الجرائم تمثل مجالاً إجرامياً مستقلاً، وإذا وُجدت صلة بالإرهاب فيجب إثباتها بشكل منفصل.**

لكن عندما تُثبت هذه الصلة، نكون أمام بنية أكثر خطورة:

**اقتصاد الإرهاب.**

أما تعبير **«بارون الإرهاب»** الذي أستخدمه هنا، فليس مصطلحاً قانونياً، بل تعبير صحفي أقصد به الجهات أو الأشخاص الذين يثبت، بأدلة ملموسة، أنهم يحققون مصالح اقتصادية أو إجرامية من استمرار الإرهاب والصراع، أو يشاركون في آليات التمويل والخدمات اللوجستية لاقتصاد الإرهاب.

فالادعاء شيء، والدليل شيء آخر.

والاشتباه شيء، والإدانة القضائية شيء آخر.

وفي قضية خطيرة كالإرهاب، يجب أن تكون الكلمات دقيقة بقدر دقة الأدلة.

# هل المال يغذي الإرهاب، أم أن الإرهاب هو الذي يغذي المال؟

هذه، في رأيي، هي النقطة الأهم.

فمن الخطأ قراءة العلاقة بين الإرهاب واقتصاد الجريمة باعتبارها علاقة أحادية الاتجاه.

النموذج التقليدي معروف:

يحتاج التنظيم الإرهابي إلى المال لمواصلة نشاطه.

وقد يحصل على التمويل من المخدرات أو التهريب أو الابتزاز أو الفدية أو غيرها من مصادر الدخل غير المشروعة.

**يُجمع المال، ثم يُموَّل الإرهاب.**

لكن العلاقة قد تسير أيضاً في الاتجاه المعاكس.

فقد يتحول العنف المسلح أحياناً إلى **وسيلة لحماية نظام يدرّ الأموال.**

السيطرة على طريق للتهريب…

فرض الإتاوات في منطقة معينة…

إبعاد الجماعات الإجرامية المنافسة…

إرغام الأفراد والشركات على الدفع تحت التهديد…

إضعاف سلطة الدولة في مناطق معينة…

وحماية ممرات التجارة غير المشروعة…

عندها لا يعود كافياً أن نسأل:

**«هل الأموال الناتجة عن الجريمة تموّل الإرهاب؟»**

بل يجب أن نطرح سؤالاً آخر:

# هل يضمن الإرهاب استمرار اقتصاد الجريمة؟

هنا يظهر أخطر تداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

لأن المنظومة قد تتحول إلى دائرة تغذي نفسها بنفسها:

**الجريمة تنتج المال.
والمال يغذي السلاح.
والسلاح يصنع الخوف.
والخوف يفرض السيطرة على الأرض.
والسيطرة على الأرض تنتج دخلاً إجرامياً جديداً.**

ثم تبدأ الدائرة من جديد.

قد تكون عائدات الجريمة في البداية مجرد وسيلة لتمويل هدف أيديولوجي.

لكن إذا تحولت مصادر الدخل وطرق التهريب ونظام الإتاوات والنفوذ الاقتصادي، بمرور السنوات، إلى عناصر أساسية لبقاء التنظيم، يظهر سؤال أكثر إزعاجاً:

# هل ما زال المال مجرد وسيلة، أم أصبح واحداً من الأهداف؟

هنا تحديداً يظهر المعنى الحقيقي لمفهوم «بارونات الإرهاب».

ففي بعض البنى قد لا تعود القضية أيديولوجية فقط.

**هناك نفوذ.
هناك سيطرة على الأرض.
هناك اقتصاد للجريمة.
وهناك المال.**

# من إرهاب المخدرات إلى المراهنات غير المشروعة: الاقتصاد المظلم

تمثل المخدرات أحد أكبر قطاعات الاقتصاد غير المشروع.

فمن الإنتاج إلى النقل، ومن عبور الحدود إلى التوزيع، ثم غسل العائدات، توجد سلسلة اقتصادية ضخمة.

ولا يشترط أن يقوم التنظيم الإرهابي بإنتاج المخدرات بنفسه.

فقد يفرض إتاوات على طريق التهريب، أو يطلب رسوماً مقابل المرور، أو يوفر الحماية لعمليات النقل، أو يدخل في علاقات مصلحية مع شبكات إجرامية، أو يشارك بصورة مباشرة في التجارة.

وعندما تثبت مثل هذه الصلة بأدلة ملموسة، يصبح الحديث عن **«إرهاب المخدرات»** ذا أساس واقعي.

لكن يجب ألا ننسى الاتجاه الآخر للعلاقة:

**كما يمكن للمخدرات أن تموّل الإرهاب، يمكن للإرهاب أيضاً أن يتحول إلى آلية عنف تحمي اقتصاد المخدرات.**

وتظهر مخاطر مشابهة في المراهنات غير المشروعة والاقتصاد الإجرامي الرقمي.

فالحسابات المصرفية، والحسابات المستخدمة لحساب الغير، والمحافظ الإلكترونية، والأصول المشفرة، ووسطاء الدفع، والشركات الواجهة، والتحويلات العابرة للحدود يمكن أن تشكل منظومة مالية متعددة الطبقات.

ولا تتحول عائدات المراهنات غير المشروعة تلقائياً إلى تمويل للإرهاب.

لكن إذا استُخدمت هذه الشبكات لنقل أموال الإرهاب أو إخفائها، فيجب عندها التحقيق بشكل مستقل في بُعد تمويل الإرهاب.

وينطبق المعيار القانوني نفسه على الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص بغرض نزع الأعضاء.

فهذه جرائم خطيرة بحد ذاتها.

ولا يجوز افتراض ارتباطها بالإرهاب بصورة تلقائية.

لكن إذا ثبت أن جماعات مسلحة تحصل على حصة من عائدات هذه المسارات، أو تفرض عليها إتاوات، أو تستخدم هذه الأنشطة للحصول على الدخل، فيجب التحقيق أيضاً في الجسر الاقتصادي بين الجريمة المنظمة والإرهاب.

# المال الذي يرتدي ربطة عنق: الصادرات الوهمية والشركات الواجهة

أكبر احتياجات المال الإجرامي هو أن يبدو مشروعاً.

وأحياناً لا يُنقل المال في حقيبة.

بل **يُظهر الأمر وكأن هناك تجارة حقيقية.**

يمكن تضخيم قيمة البضائع أو تخفيضها.

وقد يُصرَّح عن كميتها أو طبيعتها بصورة مختلفة عن الواقع.

وقد تُنشأ معاملات تجارية لا وجود لها أصلاً.

وقد تُبنى سلاسل من الفواتير المزورة أو المضللة.

وفي تركيا يمكن لبعض عمليات التجارة الخارجية الوهمية أو الصورية، التي يُشار إليها عادة باسم «الصادرات الوهمية»، أن تكون ـ بحسب ظروف كل واقعة ـ موضوعاً لتحقيقات مالية وجنائية مختلفة.

وهنا أيضاً يجب تكرار التحذير:

**ليس كل من يقوم بعملية تصدير وهمية ممولاً للإرهاب.**

لكن إذا أُخفي تمويل الإرهاب داخل معاملات تجارية، فلا يكفي النظر إلى الحساب المصرفي وحده.

يجب فحص الفواتير.

والبيانات الجمركية.

وقيم الاستيراد والتصدير.

وهياكل ملكية الشركات.

والأهم:

**من هو المستفيد الحقيقي؟**

فاقتصاد الجريمة لا يسير دائماً في الأزقة المظلمة.

أحياناً يكون له مكتب.

وشركة.

ومحاسب.

وفاتورة.

وربطة عنق.

وقد يختبئ خلف حياة تجارية تبدو، من الخارج، قانونية تماماً.

# السلاح والإتاوات والعالم الرقمي

السلاح أحد الأدوات الأساسية للإرهاب.

لكن السلاح لا يسقط من السماء.

إنه يُنتج ويباع ويهرّب وينقل ويُموَّل.

لذلك فإن الاتجار غير المشروع بالأسلحة يمثل أحد المجالات الحيوية التي يجب التحقيق فيها عند دراسة اقتصاد الإرهاب.

وهنا أيضاً يجب عدم الخلط بين الصناعات الدفاعية القانونية وبين تهريب الأسلحة غير المشروع.

فالقضية ليست مجرد تصنيع السلاح، بل:

**إلى يد من وصل بصورة غير مشروعة، وبأي طريق، وبأي تمويل؟**

أما الابتزاز والفدية فهما من الأساليب القديمة التي لم تستطع التكنولوجيا إلغاءها:

**أخِف الناس… ثم خذ المال.**

قد يسمى أحياناً «ضريبة»، أو «تبرعاً»، أو «مساعدة».

لكن إذا دُفع المال تحت التهديد، فلا يمكن وصفه بأنه تمويل طوعي.

وهنا أيضاً تعمل العلاقة في اتجاهين:

**المال يغذي التنظيم، والخوف الذي يصنعه التنظيم يولد أموالاً جديدة.**

ولم يعد اقتصاد الجريمة يمر فقط عبر المعابر الحدودية.

بل يمر أيضاً عبر كابلات الألياف الضوئية.

فالأصول المشفرة، والاحتيال الإلكتروني، وأنظمة الدفع الرقمية، والتحويلات الإلكترونية توفر إمكانات جديدة لنقل عائدات الجريمة وإخفائها.

لذلك يجب البحث عن مستقبل تمويل الإرهاب ليس فقط في الجبال أو على الحدود؛

**بل في العالم الرقمي أيضاً.**

# مشكلة تركيا ليست فقط من يصعدون إلى الجبال

تحارب تركيا الإرهاب منذ عقود.

ولذلك لا يكفي استهداف العناصر المسلحة وحدها.

بل يجب التحقيق، استناداً إلى أدلة ملموسة، في شبكات التمويل، وآليات الابتزاز، وطرق التهريب، والتحويلات المالية، والهياكل الواجهة، والروابط الدولية.

ويتضمن تقرير مجموعة العمل المالي **FATF** الشامل لعام 2025 حول مخاطر تمويل الإرهاب حالة أبلغت عنها وحدة الاستخبارات المالية التركية **MASAK** تعود إلى عام 2022.

وبحسب ما أورده التقرير، فإن آلية قيل إنها استهدفت توفير التمويل لصالح حزب العمال الكردستاني **PKK** تضمنت جمع أموال قسراً من بعض العمال الموسميين بنسبة 25 في المئة من أجورهم اليومية، كما طُلبت مدفوعات من بعض العاملين في قطاع العقارات عن طريق التهديد.

وهذا المثال يكشف حقيقة مهمة:

**قد يبدأ تمويل الإرهاب أحياناً لا من خزنة سرية وراء الحدود، بل من المال الذي يُنتزع بالقوة من جيب إنسان عادي.**

ومن القضايا الأخرى التي تثيرها تركيا منذ سنوات أنشطة تمويل وتنظيم حزب العمال الكردستاني في أوروبا.

**وحتى عام 2026، لا يزال حزب العمال الكردستاني PKK، بما في ذلك تسميتا KADEK وKONGRA-GEL، مدرجاً ضمن قائمة الاتحاد الأوروبي الخاضعة لتدابير مكافحة الإرهاب.**

كما رفضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، في 13 مارس/آذار 2025، طعناً ضمن المسار القضائي الذي خاضه الحزب بشأن استمرار إدراجه على القائمة المتعلقة بالأشخاص والجماعات والكيانات المرتبطة بالأعمال الإرهابية.

وهنا توجد حقيقة قانونية لا ينبغي تجاهلها:

**لا يزال حزب العمال الكردستاني مدرجاً على قائمة الاتحاد الأوروبي للكيانات الخاضعة لتدابير مكافحة الإرهاب.**

ومن ثم فإن التحقيق في ادعاءات جمع الأموال أو التمويل أو الأنشطة التنظيمية المرتبطة به في أوروبا ليس تحقيقاً في هوية إثنية؛ بل تحقيق في وجود صلة مالية أو تنظيمية ملموسة بتنظيم يخضع، في النظام القانوني للاتحاد الأوروبي نفسه، لتدابير مكافحة الإرهاب.

ولهذا يجب رسم الخط الفاصل بوضوح شديد:

**حزب العمال الكردستاني ليس الشعب الكردي.**

وربط سكان المنطقة أو أي مكوّن إثني بالتنظيم لمجرد هويتهم من أخطر الأخطاء.

كما أن مساواة المواطنين الأكراد في تركيا أو ذوي الأصول الكردية المقيمين في أوروبا بأي تنظيم إرهابي أمر غير مقبول، بل قد يخدم تحديداً الاستقطاب الذي تسعى التنظيمات الإرهابية إلى استغلاله.

ما يجب التحقيق فيه ليس الهوية الإثنية، بل:

**الصلة التنظيمية والمالية الملموسة.**

من يجمع المال؟

وبأي طريقة؟

إلى أين يذهب؟

ومن أي حسابات يمر؟

وما الشركات أو الهياكل المستخدمة؟

ومن هو المستفيد النهائي؟

في إجابات هذه الأسئلة تكمن التشريح الحقيقي لاقتصاد الإرهاب.

# الدول والجهات الوكيلة

أحد أكثر جوانب القضية حساسية هو الادعاء بوجود دعم من دول أجنبية.

واتهام دولة أو مؤسسة تابعة لها بدعم تنظيم إرهابي اتهام بالغ الخطورة، ويتطلب أدلة قوية.

لكن دعم بعض الدول لجهات مسلحة من غير الدول خارج حدودها لتحقيق أهداف جيوسياسية يمثل بالفعل أحد الموضوعات الواقعية في نقاشات الأمن الدولي.

أما الادعاءات المتعلقة بتقديم المال أو السلاح أو التدريب أو الدعم اللوجستي أو الملاذ الآمن، فيجب تقييم كل منها على حدة وفق الأدلة الملموسة والقانون الدولي وأنظمة العقوبات ذات الصلة.

ولا يمكن أن تستمر المعايير المزدوجة في مكافحة الإرهاب.

فالمعيار في تقييم أي جماعة مسلحة لا ينبغي أن يكون مدى خدمتها للمصالح الآنية لدولة ما؛

**بل القانون وأفعال تلك الجماعة الملموسة.**

# فما الحل؟

إذا كان اقتصاد الإرهاب شبكة، فلا يمكن أن يكون الحل موجهاً إلى نقطة واحدة فقط.

**يجب ضرب جميع تروس المنظومة في الوقت نفسه.**

ينبغي ألا تقتصر التحقيقات في الإرهاب على الفاعل والسلاح والعمل الإرهابي؛ بل يجب تتبع سلسلة التمويل أيضاً.

ويجب تحليل الحسابات المصرفية، وروابط الشركات، وحركة الأصول المشفرة، والعلاقات التجارية، والممتلكات، والبيانات الجمركية والضريبية بصورة مترابطة.

فإذا بقي ملف المخدرات في جهة، والمراهنات غير المشروعة في جهة أخرى، والتهريب في ملف ثالث، وغسل الأموال وتمويل الإرهاب في ملفات منفصلة، فقد تختفي الشبكة الإجرامية نفسها بين التحقيقات المختلفة.

لذلك يجب أن تتكامل الاستخبارات المالية مع العمل القضائي والاستخباراتي والعملياتي.

والهدف الثاني يجب أن يكون:

**المستفيد الحقيقي.**

باسم من سُجلت الشركة؟

من يديرها فعلياً؟

لصالح من تتحرك الأموال؟

هل يتناسب حجم التجارة مع القدرة الحقيقية للشركة؟

هل نُقلت البضائع بالفعل؟

هل الفاتورة حقيقية؟

وإلى أين خرج المال؟

الجبهة الثالثة هي العالم الرقمي.

يجب تتبع شبكات المراهنات غير المشروعة وأنظمة الدفع الإلكتروني وحركة الأصول المشفرة والعائدات الإجرامية الرقمية بقدرات تقنية متقدمة.

أما الجبهة الرابعة فهي التعاون الدولي.

فالمال قد يُجمع في دولة، ثم يمر عبر شركة في دولة ثانية، ويتحول إلى أصل رقمي في دولة ثالثة، ثم يُستخدم في منطقة أخرى.

إذا كان تمويل الإرهاب لا يعترف بالحدود، فلا يمكن لمكافحته أن تبقى مجزأة بين الحدود.

وأخيراً، يجب التدخل في الوقت المناسب ضد عائدات الجريمة وتمويل الإرهاب.

لكن هناك شرطاً لا يمكن التنازل عنه:

# القانون.

المعاملة المشبوهة ليست جريمة بحد ذاتها.

والادعاء ليس إدانة.

ولا يجوز أن تكون تدابير تجميد أو تقييد الأموال تعسفية.

وأي تدخل في حق الملكية يجب أن يكون متناسباً وخاضعاً للرقابة القضائية.

كما يجب ألا تتحول مكافحة الإرهاب إلى وسيلة لوضع جماعة إثنية أو دينية أو اجتماعية بأكملها موضع الشبهة.

فالهدف ليس الهوية؛

**بل الفعل الملموس، وحركة المال الملموسة، والدليل الملموس.**

**الدولة القوية تكافح الإرهاب بالقانون والدليل والجدية المؤسسية.**

# هل السلام في مصلحة الجميع؟

إنسانياً، ينبغي أن يكون كذلك بالتأكيد.

لكن من زاوية اقتصاد الجريمة، قد تكون الإجابة مختلفة.

إذا انتهى الإرهاب فقد ينتهي نظام الإتاوات.

وإذا انتهت الحرب فقد ينكمش سوق السلاح غير المشروع.

وإذا أصبحت الحدود أكثر أمناً فقد تتضرر طرق التهريب.

وإذا تعززت سلطة الدولة فقد تضيق مساحات الاقتصاد غير المشروع.

وإذا ازدادت فعالية الرقابة المالية أصبحت حركة الأموال القذرة أكثر صعوبة.

لذلك لا يكفي أن نسأل:

**«من ينفذ الإرهاب؟»**

بل يجب أن نسأل:

# من يستفيد من استمرار الإرهاب؟

بل وربما السؤال الأهم:

# أي نظام لجني الأموال يحميه استمرار الإرهاب؟

الإجابة لا توجد في الشعارات.

بل في السجلات المصرفية.

وفي بيانات الجمارك.

وفي روابط الشركات.

وفي الأدلة الرقمية.

وفي التعاون القضائي والمالي الدولي.

وفي النهاية، لا تكتسب هذه النتائج معناها القانوني إلا عندما تُعرض بأدلتها الملموسة أمام القضاء.

# وسّعوا زاوية الكاميرا

منذ سنوات تُعرض علينا صورة الإرهابي.

نعرف الرجل الموجود في الجبل.

نعرف اسمه الحركي.

ونرى سلاحه.

لكن ربما حان الوقت لأن نُبعد الكاميرا قليلاً.

وليتسع المشهد.

ليظهر من يجمع المال.

ومن يفرض الإتاوات.

ومن يحصل ـ إن ثبت ذلك ـ على حصة من طرق المخدرات والتهريب.

وليظهر مهرّب السلاح.

ولتظهر حركة الأموال في المراهنات غير المشروعة والاقتصاد الإجرامي الرقمي.

ولتظهر الشركات الواجهة وآليات غسل الأموال.

وإذا كانت هناك صلة بين كل ذلك وتمويل الإرهاب، فلتظهر هذه الصلة **بأدلتها.**

لأن سؤال:

**«من ضغط على الزناد؟»**

لم يعد كافياً.

من أين جاء السلاح؟

من دفع ثمنه؟

من أين جاء المال؟

من جمعه؟

من نقله؟

من غسله؟

عبر أي شركة مر؟

عبر أي دولة مر؟

ومن كان المستفيد النهائي؟

والأهم من كل ذلك:

# هل أبقى هذا المال الإرهاب حياً، أم أن الإرهاب هو الذي أبقى النظام الذي ينتج هذا المال حياً؟

وربما تكون الإجابة أحياناً:

**كلاهما معاً.**

فالجريمة تنتج المال.

والمال يغذي السلاح.

والسلاح يصنع الخوف.

والخوف يحمي المجال الاقتصادي.

والمجال الاقتصادي المحمي ينتج المال من جديد.

ومن هنا يبدأ الحل:

**كسر هذه الدائرة ليس من نقطة واحدة، بل عند جميع نقاط اتصالها.**

حيّد الإرهابي.

اقطع التمويل.

تتبع عائدات الجريمة.

اكشف الهياكل الواجهة.

عطّل طرق التهريب.

لاحق الأموال القذرة.

تدخل في الممتلكات والأصول ضمن إطار القانون.

فكك الروابط الدولية.

وافعل كل ذلك بالدليل، وتحت رقابة القضاء، وفي إطار مبادئ دولة القانون.

فالسلاح في يد الإرهابي هو الوجه المرئي.

أما التمويل الذي يقف خلفه فهو الشريان غير المرئي.

من السهل التقاط صورة للإرهابي.

**لكن المسألة الحقيقية هي أن نستطيع التقاط صورة للمال.**

لأن مكافحة الإرهاب الحقيقية لا تعني فقط إسكات الزناد.

**بل تفكيك النظام الاقتصادي الذي يجعل الضغط على الزناد مرة أخرى ممكناً.**

للإرهاب بيادقه.

وله ممولوه.

وله تجاره.

وإذا أثبتت الأدلة وجودهم…

# فله باروناته أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى