مقالات الرأي

د خالد يكتب: تداعيات انسحاب الإمارات من تحالف “أوبك+” – تحليل الأسباب الجيوسياسية والبدائل الاستراتيجية

الملخص التنفيذي

 

تتناول هذه الدراسة تحليل دوافع وتداعيات انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من تحالف “أوبك+”، في ضوء التطورات الجيوسياسية الأخيرة (الحرب الإيرانية – الأمريكية غير المباشرة) وتأثيرها على البنية التحتية والسياحة وقطاع الطيران الإماراتي. تهدف الدراسة إلى استقراء التحالفات البديلة المتوقعة للإمارات مع كل من الصين وروسيا، وتأثير ذلك على توازن القوى في المنطقة، مع تقديم توصيات لتعزيز التحالف العربي المشترك.

 

أولاً: المقدمة – النفط كمتغير رئيسي في الاقتصاد والسياسة الدولية

 

منذ بداية عصر الوقود الأحفوري، بات النفط يشكل القوة الاقتصادية الأكثر تأثيراً لأي دولة تمتلكه أو تسيطر عليه. فهو صاحب قرار مؤثر في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية. تؤدي زيادة الأسعار، أو توقف الإمدادات، أو حدوث أي أزمة في وصوله إلى موجات تضخم تطال مباشرة الطبقات الوسطى والفقيرة. كما أن تقلبات الأسعار العالمية تنعكس حتماً على قيم الصادرات والواردات. دبلوماسياً، تملك الدول المنتجة نفوذاً كبيراً على الدول المستهلكة التي تعتمد على الوقود الأحفوري لتأمين ميزانياتها واحتياجاتها اليومية واستثمارات شركاتها، ذلك أن مشاريع البنية التحتية (كالطرق والأسفلت) تخرج أصلاً من مشتقات النفط.

 

ثانياً: التطور التاريخي لمنظمتي “أوبك” و”أوبك+”

 

لتنظيم هذا القطاع الحيوي، تأسست منظمة “أوبك” عام 1967 وضمت 12 دولة بهدف وضع حصص الإنتاج وتحديد سعر الطاقة، وكانت تبيع النفط لدول العالم شرقاً وغرباً. في مطلع الألفينات، ظهرت قوى جديدة على الساحة مثل روسيا، بالإضافة إلى استخدام الولايات المتحدة للوقود الصخري. في ذلك الوقت، أصبح من الضروري زيادة عدد الأطراف المشاركة في التنسيق، ولو عبر اتفاقيات خارج العضوية الرسمية، لتحديد الإنتاج والسعر اليومي. ونتيجة لذلك، تم إنشاء تحالف “أوبك+” عام 2016، الذي ضم 12 دولة من أوبك و10 دول من خارجها، وسيطر على نحو 55% من إنتاج الوقود الأحفوري (من حيث التأثير على الأسعار والتصدير للدول المستهلكة). لكن بعد انسحاب الإمارات مؤخراً، تراجعت نسبة سيطرة التحالف إلى حوالي 42% من واردات النفط والموارد الهيدروكربونية العالمية.

 

ثالثاً: الأسباب المباشرة لانسحاب الإمارات من “أوبك+”

 

جاء انسحاب الإمارات كنتيجة مباشرة لتفاعلها مع تصاعد الخسائر التي تكبدتها جراء الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا. إذ تأثرت الدول التي تملك قواعد عسكرية أمريكية أو خطوط نفط حساسة بشكل أكبر، وعانت الإمارات من توقف البنية التحتية وتراجع السياحة وقطاع الطيران، مما جعلها أكبر المتضررين من هذا الصراع.

 

من المنظور الإيراني، أرادت طهران أن تثبت للدول العربية أن الاعتماد على قوة واحدة (أمريكا) لا يوفر الحماية بقدر ما يزيد الخسائر. وعليه، كان انسحاب الإمارات من المنظمة خطوة استراتيجية تهدف إلى:

 

· توظيف طاقتها الإنتاجية (التي تتجاوز 5 ملايين برميل يومياً) لزيادة الصادرات إلى دول بعينها، وبالتالي رفع الميزانية وزيادة الاستثمارات.

· بناء عقود طويلة الأجل مع الصين والهند، مع إمكانية خفض الأسعار نسبياً لتعزيز الحصيلة التصديرية.

 

رابعاً: المحور الاقتصادي – الاحتياطي والضغوط والتحول الطاقي

 

تعاني الإمارات من ضغوط اقتصادية متزايدة، لكنها في المقابل تمتلك احتياطياً هائلاً. تشير أحدث التقديرات الهيدروكربونية والهيدروجينية إلى ارتفاع احتياطي النفط الإماراتي من 113 إلى 120 مليار برميل، كما ارتفع احتياطي الغاز من 290 تريليون متر مكعب إلى 297 تريليون متر مكعب. وتريد الإمارات استنزاف هذا الوقود الأحفوري وتسويقه بالكامل قبل الموعد المتوقع لنهاية عصر النفط، وذلك لزيادة استثماراتها في الطاقة المتجددة، وفي الوقت نفسه تبحث عن حليف قوي لحماية ممراتها وأمنها الاقتصادي داخل المنطقة.

 

خامساً: التحالفات البديلة – الصين كحالة توازن استراتيجي

 

ترى الإمارات في الصين نموذجاً مختلفاً عن الهيمنة الغربية. فدخول الصين كشريك وحليف (سواء عبر استيراد النفط والغاز أو الاستثمار المباشر داخل الإمارات) يعني وضع الإمارات تحت مظلة حماية صينية، توازن النفوذ الأمريكي بل وتزاحمه. وهذا يؤدي إلى تجنب الصدام أو خلق استثمارات معادلة داخل الإمارات تضاهي الاستثمارات الأمريكية بل وتتجاوزها.

 

تدرك الإمارات أن المصلحة الوطنية لا تتحقق بالارتباط بالغرب فقط، بل بموازنة القوى بين الشرق (القوى الصاعدة كالصين) والغرب. والصين حليفة لروسيا، وروسيا والصين تشكلان حلفاً قوياً يدفع دول الشرق الأوسط نحو هيمنة متفق عليها بدلاً من الهيمنة الغربية الأحادية. كما تسعى الإمارات إلى تسوية استثماراتها ولو جزء من تجارتها النفطية باليوان الصيني، مما يزيد الطلب على اليوان ويجعله منافساً للعملات الأخرى، وهذا ما كان معمولاً به في اتفاقيات “بريكس”. وبهذه الطريقة تؤمن الإمارات ممراتها الملاحية وتحصن اقتصادها وتعزز أرباحها بوجود حليف قوي جديد، بدلاً من الحليف الذي ظنت أنه يحميها.

 

سادساً: التعاون مع روسيا – البنية التحتية والغاز والعقوبات

 

على الصعيد الروسي، ورغم انسحاب الإمارات من “أوبك+”، فإن ذلك لن يؤدي إلى تفاوض أو نزول مخالف في الأسعار؛ بل ستظل السياسات موحدة الإطار، مع السماح للإمارات بزيادة إنتاجها ولكن ضمن حدود معينة. من المتوقع في الأشهر القريبة أن تبرم الإمارات وروسيا اتفاقيات لمد خطوط أنابيب تمتد شرقاً وغرباً. الإمارات تملك بنية تحتية قوية، بينما تملك روسيا الخبرة الفنية لإنشاء خطوط الأنابيب. هذا التعاون المستمر سيمكن من نقل الغاز بين الدول المجاورة بتكلفة أقل وجهد أسرع، مما يعزز العلاقات بين روسيا والصين والإمارات.

 

أيضاً، سيساهم هذا التعاون في تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، حيث يمكن توصيل الغاز الروسي إلى الإمارات، ثم تقوم الإمارات بإعادة تصديره إلى الأسواق الخارجية. وفي مقابل ذلك، تحصل الإمارات على استثمارات روسية كبيرة، وتنوع في التكنولوجيا والخبرات، وتأمين للمصالح الروسية داخل أراضيها، ليشكلا معاً تحالفاً اقتصادياً قوياً.

 

سابعاً: الخاتمة والتوصيات – الدروس المستفادة والتحالفات العربية المطلوبة

 

منذ إعلان الإمارات انسحابها تحققت “النفوس” (الأهداف الاستراتيجية) التي سعت إليها. فقد أعلنت الإمارات تعزيز صداقاتها مع دول حليفة أخرى، وأكدت عدم نيتها الإضرار بأي دولة في “أوبك”، واقتصار سياستها على زيادة إنتاجها المعقول لتعويض الخسائر التي لحقت بها من الهجمات الإيرانية، وضمان سلامتها الاقتصادية وعدم تكرار الاعتداء عليها مستقبلاً.

 

تخلص الدراسة إلى أن التحالف الاقتصادي والعسكري القوي بين الدول العربية أصبح ضرورة، بحيث يتضمن تعاوناً في جميع المجالات (عسكري، اقتصادي، تبادل خبرات وتكنولوجيا). وقد بدأ وضع هذا الإطار النظري، ويجب تطبيقه عملياً على الدول العربية مستفيدين من الحرب التي شنت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ويتم ذلك عبر تحالف قوي يضم باكستان، تركيا، مصر، والسعودية، ليشكل امتدادات عملية سواء في التعامل العسكري أو الاقتصادي أو تبادل الخبرات والتكنولوجيا.

 

التوصيات النهائية:

 

 

1. التعاون الوظيفي: على كل دولة عربية أن تساهم بما لديها من ميزة نسبية، وألا تكتفي بالأطر الورقية، بل بتنفيذ ميداني مشترك.

2. القوة الموحدة: أي قوة موحدة لدولة عربية واحدة تجعلها بمنأى عن الأزمات، فإذا ساندتها دول أخرى لن يجرؤ أي معتدٍ على استهدافها، لأنه يعلم أن خلفها اتحاداً مشتركاً.

3. إعادة الهيكلة العربية: من المتوقع في الأشهر القادمة أن تعيد الدول العربية هيكلة منظومتها الدفاعية والاقتصادية لحماية دولها ومنع تكرار الأخطاء السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى