مقالات الرأي

د عادل عامر يكتب : في ذكرى عودة طابا .. إدارة الصراع سياسيًا وقانونيًا

تحل علينا هذه الذكرى لتذكّرنا بأحد أبرز الإنجازات الدبلوماسية والسياسية لمصر في تاريخها الحديث، وهو استعادة مدينة طابا السيادية بعد نزاع طويل مع إسرائيل. وتمثل هذه القضية نموذجًا فريدًا لإدارة الصراع بين الدول، حيث توفرت فيها أدوات السياسة والقانون لتحقيق هدف وطني دون اللجوء إلى التصعيد العسكري.

 

أولًا: البعد السياسي

 

لقد جسدت قضية طابا مهارة الدبلوماسية المصرية في إدارة النزاع، من خلال المفاوضات الهادئة والمرنة التي اعتمدت على الحوار المستمر، والقدرة على خلق تحالفات دولية داعمة لموقف مصر. فقد أظهرت مصر قدرة عالية على استخدام وسائل الضغط الدبلوماسي، واستثمار الشرعية الدولية لصالحها، بما يعكس قوة الرؤية السياسية وإدارتها الصائبة للصراع.

 

ولم تقتصر السياسة المصرية على التواصل مع الجانب الإسرائيلي فقط، بل شملت أيضًا التأثير على الرأي العام الدولي عبر تسليط الضوء على الحقائق التاريخية والقانونية للمدينة، وهو ما عزز موقف مصر على الساحة العالمية وضمن تأييدًا دبلوماسيًا واسعًا.

 

ثانيًا: البعد القانوني

 

كما أوضحت قضية طابا أهمية التمسك بالقوانين والمعاهدات الدولية في النزاعات الحدودية، حيث أن احترام القواعد القانونية يوفر حماية الدولة ويحول دون الانجرار إلى تصعيد مسلح قد يؤدي إلى خسائر كبيرة. وهذا يعكس قدرة القانون الدولي على تحقيق العدالة حتى بين أطراف الأقوى والأضعف نسبيًا.

 

ثالثًا: إدارة الصراع بشكل استراتيجي

 

القضية مثال حي على إدارة الصراع بذكاء استراتيجي، إذ دمجت مصر بين القوة الناعمة (الدبلوماسية، الإعلام، الرأي العام الدولي) والوسائل القانونية لتأكيد الحق الوطني. وقد أظهرت تجربة طابا أن الصراع يمكن حله بطرق سلمية وفاعلة دون الحاجة إلى المواجهة المسلحة، شريطة وجود رؤية واضحة وقيادة حكيمة ومرنة..

 

كما أظهرت القضية أن إدارة الصراع لا تتعلق فقط بالخطط الرسمية، بل تشمل التحضير النفسي والسياسي للشعب، وتعزيز الوحدة الوطنية، ما يضمن دعم المجتمع لأي قرار سياسي أو قانوني، ويزيد من قوة الدولة في المفاوضات.

 

ضربت الدولة المصرية أروع الأمثلة في الالتزام بمعاهداتها الدولية باعتبارها شرعية دولية، حيث التزمت الدولة المصرية بمعاهدة السلام 1979 الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتحديدًا المادة السابعة التي تضمنت أن الخلافات بين الدولتين يتم حلها عن طريق المفاوضات، وإذا لم يتيسر ذلك فيتم الحل عن طريق التوفيق أو تُحال للتحكيم، وهو ما يدل على أن الدولة المصرية دائمًا تتبنى الحوار وعدم اللجوء لتسوية النزاعات عسكريًا، وتجعل السلام خيارًا استراتيجيًا، مما يُعد أحد المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية. وهو ما تحقق في النهاية في اللجوء للتحكيم بعد استنفاد طرق المفاوضات والتوفيق، وهو ما يدل على مثابرة المفاوض المصري من أجل إرجاع كل حبة رمل من الأراضي المصرية.

 

ولا بد ونحن نتذكر تلك الذكرى العظيمة لاسترداد طابا أن نبين الدور العظيم للمفاوض المصري، حيث إنّ التفاوض مع الجانب الإسرائيلي هو معركة قانونية وسياسية ودبلوماسية شديدة الشراسة، حيث يتمتع المفاوض الإسرائيلي بالجدال والتركيز على الشكليات من أجل الابتعاد عن الهدف الرئيسي وهو استعادة طابا، وكان الإسرائيليون يعلمون أن طابا أرض مصرية، وأن مزاعمهم لا أساس ولا سند لها من تاريخ أو جغرافيا.

 

تشكلت في مايو 1985 لجنة على أعلى مستوى عُرفت باسم اللجنة القومية العليا لطابا، وكانت مهمتها الرئيسية إعادة طابا للسيادة المصرية، وبعد عدم نجاح وسيلتي التفاوض والتوفيق لجأت مصر وإسرائيل للتحكيم، وكان ذلك عن طريق عمل وطني بامتياز، فهي تعد قضية قومية تآلف وتناغم فيها كافة القوى السياسية والعسكرية والعلمية والقانونية، وتشاركت فيه كافة مؤسسات الدولة سواء القوات المسلحة ووزارة الخارجية والمؤسسات القانونية والعلمية وذلك لإثبات حق مصر في طابا واستعادتها عن طريق التحكيم الدولي، وكانت الدولة المصرية تريد مسارًا محددًا في التحكيم لا يبعد عن الهدف المنشود وهو استعادة طابا، وهو ما ظهر في السؤال المصري لهيئة التحكيم في تحديد مواقع علامات الحدود وخاصة العلامة 91 المتعلقة بطابا دون التعرض بأي شكل من الأشكال لخط الحدود الثابت في الخرائط والاتفاقيات الدولية والتي كانت إسرائيل تريد تعديله لصالحها.

 

فكان استرداد طابا عن طريق المفاوضات والتحكيم مسألة حياة أو موت، فلم يكن أمام المفاوض المصري إلا خيار واحد هو أن تنتهي العملية التفاوضية بإعادة طابا إلى السيادة المصرية، ولا يوجد أي اختيار آخر مطروح، فنجح المفاوض المصري في تحييد الطرف الأمريكي الذي كان متواجدًا خلال عملية التفاوض وإبعاده عن التحيز للجانب الإسرائيلي، فالعملية التفاوضية لاسترداد طابا بيان على قوة وصبر وبراعة ومثابرة المفاوض المصري وتغلبه على كل الصعاب مهما كان حجمها، فهي ملحمة خالدة لن ينساها التاريخ المصري الحديث والتي سُجلت بحروف من نور.

 

وأبرزت اتفاقية التحكيم الدولي بشأن طابا هذه الجهود، حيث أظهرت تفوق الكفاءات الدبلوماسية والقانونية والعسكرية المصرية على كل المناورات التي قام بها الجانب الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى حسم الأمر لصالح الدولة المصرية، وأصدرت هيئة التحكيم حكمها في 27 سبتمبر 1988 بأحقية مصر في طابا، وانسحبت إسرائيل من طابا، ورُفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989 مما يؤكد معنى واحدًا هو أن الدولة المصرية على مدى الزمان لم ولن تفرط في حقوقها، وما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمفاوضات والتحكيم.

 

شهادة للتاريخ

 

سوف أحاول في هذه السطور الوقوف على بعض الدروس المستفادة من هذه المناسبة الوطنية الكبيرة، وكيف يمكن أن نستثمرها حاليًا، فلم يكن رفع علم مصر على أرض طابا مجرد إجراء احتفالي، بل كان تأكيدًا على أن الدولة المصرية لا تُفرط في حقوقها مهما كان الثمن، وهي قادرة على انتهاج كافة الأساليب التي تحقق لها هذا الهدف، وهذه هي الرسالة الواضحة التي يجب أن تعيها جميع الدول التي يمكن أن تتشكك ولو للحظة في أن مصر يمكن أن تتهاون أو تفرط في حقوقها.

 

وفي الوقت الذي نحتفل فيه بالذكرى السادسة والثلاثين لتحرير طابا فإننا يجب أن نستذكر اليوم بكل فخر وإعزاز شهداءنا الأبرار الذين روت دماؤهم الزكية أرض سيناء الطاهرة، كما يجب أن نتذكر أعضاء اللجنة القومية العليا لطابا الذين لقوا وجه ربهم راضين مرضيين، فكل هؤلاء قد سطروا بأرواحهم ملحمة تحرير سيناء واسترداد طابا.

 

وإذا انتقلنا إلى الواقع الحالي فلا بد أن أُشير إلى أن هذه الذكرى الغالية تأتي في وقت تواجه فيه الدولة المصرية مجموعة من التحديات الجسيمة ارتباطًا بالتطورات المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، ولا سيما في المجالات الاقتصادية، مما يعني أن هناك ضرورة لأن نسترجع أهم العوامل التي ساهمت في نجاح مصر في استرداد طابا، وكيف يمكن أن نستلهم هذا النجاح وهذه التجربة المتفردة في التغلب على كافة الصعاب التي تواجهها مصر خلال هذه المرحلة.

 

رابعًا: الدروس المستفادة

 

من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من قضية طابا:

 

أهمية الدمج بين السياسة والقانون: الحلول الفعالة تأتي من المزج بين القوة الدبلوماسية والشرعية القانونية.

 

القوة الناعمة عنصر حاسم: الإعلام، الرأي العام، والدبلوماسية الدولية عوامل أساسية لدعم الموقف الوطني.

 

الصبر والمثابرة: النزاعات الدولية تحتاج إلى وقت طويل ومفاوضات دقيقة قبل تحقيق النتائج المرجوة.

 

حماية السيادة الوطنية: الالتزام بالحق القانوني والحرص على المصالح الوطنية يمثل أولوية قصوى في إدارة أي صراع

 

كما تؤكد هذه الذكرى على أهمية التخطيط الاستراتيجي والقدرة على الموازنة بين القوة والشرعية القانونية، حيث أن التفوق العسكري وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بذكاء سياسي، وبنية قانونية متينة، ودبلوماسية فعالة تدعم الموقف الوطني.

 

وأخيرًا، تذكّرنا قضية طابا بأن الوطنية الحقيقية تتجسد في حماية الحقوق السيادية بالوسائل السلمية، والاعتماد على العقل والحكمة في إدارة الصراعات، وهو درس يستفيد منه صانع القرار المصري والعربي، ليكون مرجعًا في التعامل مع أي نزاع إقليمي أو دولي، وضمان استمرار السلام والاستقرار في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى