محمد عبد القدوس يكتب : مصر الحديثة بدأت في شهر مارس
عجائب عبدالقدوس
مصر من أقدم دول العالم ولذلك قد ترى عنواني يدخل في دنيا العجائب وأنا أتحدث عن شهر مارس ومصر الحديثة ..
وتسألني: هل هناك مصر قديمة .. ومصر حديثة ؟؟
والإجابة بلا تردد: نعم !!
بلادنا التي نعرفها حالياً مختلفة تماماً عن مصر زمان وبدأ تشكيلها الجديد في شهر مارس قبل ١٠٦ عام بالتمام والكمال ..
وسأعطيك بعد قليل مثال واحد يؤكد ذلك وأراهن أنه سيكون مفاجأة لك وتتساءل: مصر كانت سابقة لزمانها وللعديد من الدول العالم ..
فما الذي جرى لها بعد ذلك ؟؟
وإذا سألتني حضرتك: إشمعنى أخترت شهر مارس لبداية تشكيل بلدنا ؟؟
والإجابة: وقع في هذا الشهر حدث عظيم يتمثل في ثورة ١٩١٩ وكانت مفاجأة كبرى للعالم كله إذ أنها أول انتفاضة شعبية ضد بريطانيا العظمى بعد خروجها منتصرة في الحرب العالمية الأولى ..
وبلغت صداها شرقا وغربا حتى أن “غاندي” الزعيم الهندي أشاد بها.
وترتب على هذه الثورة الشعبية التي بدأت في ٩ مارس عام ١٩١٩ زي النهارده بالظبط آثار عظيمة كان لها تأثير على الحياة المصرية كلها ..
وبعد أسبوع واحد فقط من قيام الثورة يعني يوم ١٦ مارس رأينا أول مظاهرة نسائية في تاريخ مصر كلها مشكلة من البنات فقط معظمهن من طالبات المدارس ، وضمت كذلك زوجات العديد من قيادات الوفد برئاسة “سعد زغلول” الذي تم إعتقاله مع عدد من رفاقه ، ولم يتوان الإنجليز في التصدي لهذه التظاهرة بالقوة ، وسقطت أول شهيدة مصرية وهي “حميدة خليل” التي استشهدت بالقرب من مسجد سيدنا الحسين واعتبر هذا اليوم عيد للمرأة المصرية يحتفل به في ١٦ مارس من كل عام ..
ومن شهيدات مصر في ثورة ١٩١٩ كذلك “شفيقة محمد عشماوي” و”يمنى بنت صبيح” .
وبعد الثورة العظيمة مباشرة رأينا إنشاء بنك مصر بقيادة “طلعت حرب” وهو أول بنك مصري صميم وأثبت المصريون قدرتهم على أداء متفوق للاقتصاد والذي فاق في أهميته وآثاره ومشاريعه الكبرى بنوك الأجانب ..
مثل شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى ، واستوديو مصر ، وعشرات من المشاريع في مختلف المجالات ..
وشاهدنا في ثورة ١٩١٩ التلاحم الوطني بين المسلمون والأقباط والهلال مع الصليب ومصر للمصريين بعد محاولة الإحتلال ضرب إسفين بين عنصري الأمة على طريقة شعار (فرق تسد) !!
وشهدت بلادنا نهضة أدبية وفنية وصحفية كبرى ، كانت جدتي “روزاليوسف” رحمها الله إحدى ملامحها .. فقد كانت نجمة لامعة في مسرح” رمسيس” الذي إنشاؤه” يوسف وهبي ” ، ثم أنشأت مجلة تحمل اسمها “روزاليوسف ” في عام ١٩٢٥ ..
وقد أحتفل بمرور قرن على قيامها قبل أشهر قليلة ، لكن الفارق شاسع بين الأمس واليوم !!
ومن ثمرات ثورتنا المباركة كذلك صدور دستور ١٩٢٣ أول دستور مصري حديث وبعده إنتخابات حرة وعقب فوز “سعد زغلول” بها رأينا لأول مرة “أفندية” وزراء .. وكانت المناصب الوزارية قبل ذلك تقتصر على “الباشوات” فقط.
وأتوقف هنا عند المفاجأة التي وعدتك بها ، وقد كتبت عنه من قبل وأسميته أعجوبة مصر ..
وهو المرحوم “يحي باشا إبراهيم” الذي كان رئيساً للوزراء وفي عهده تم وضع دستور ١٩٢٣ ثم أجرى إنتخابات ورشح نفسه في دائرته أو العزبة التي تملكها أسرته .. وكانت المفاجأة الكبرى فوز مرشح ” سعد زغلول ” وهو محام شاب اسمه ” أحمد مرعي” على رئيس الوزراء وهو في ذات الوقت وزيراً للداخلية وسقوط الباشا رئيس الحكومة في بلده ..
وما جرى لم يتكرر أبدا في بلادي ولا في العالم العربي كله ، ولذلك اسميته أعجوبة مصر ..
وبدلاً من تكريمه اختفى إسمه من التاريخ المصري وهذا بالطبع يدخل في دنيا العجائب مع أن سقوطه في الانتخابات في ذلك الوقت فخر لمصر وحدث إستثنائي في العالم كله في ذلك الوقت حتى في أوروبا وأمريكا ..
مصر سبقتهم في إجراء إنتخابات نزيهة ويسقط فيها الكبار ..
وللأسف منذ شهرين تم هدم مقبرة “يحي باشا إبراهيم” أعجوبة بلادي لعمل كوبري !!
عيب قوي قوي في حق مصر كلها.
محمد عبدالقدوس




