مصر

ملحمة سيناء: بين استعادة الأرض وحروب تزييف الوعي

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

تأتي ذكرى تحرير سيناء في كل عام لتجدد في الوجدان المصري فخرًا بواحدة من أعظم لحظات التاريخ الحديث، حيث تلاحمت الإرادة السياسية الحكيمة مع البطولات العسكرية الفذة لاستعادة الأرض وصون الشرف الوطني. ومع ذلك، فإن هذه الملحمة لم تقتصر على مواجهات السلاح فحسب، بل رافقتها معارك موازية دارت رحاها في ميادين المعلومات وصناعة الصورة. وتكشف القراءة المتأنية للملفات القديمة عن حقبة سعت فيها جماعة الإخوان الإرهابية لاستغلال شمال سيناء كمنصة لحرب إعلامية ممنهجة، تهدف من خلالها إلى تشويه صورة مؤسسات الدولة عبر جمع معلومات ميدانية وتوظيفها في إنتاج أفلام وثائقية مضللة، في محاولة بائسة للنيل من الوعي العام وإعادة تشكيله بما يخدم أجنداتها.

وتُظهر اعترافات العناصر الإرهابية نمطًا تنظيميًا دقيقًا اتبعته الجماعة في تلك الفترة؛ حيث جرى الدفع ببعض الأفراد إلى مناطق استراتيجية في شمال سيناء للقيام بمهام استخباراتية ميدانية. ولم تكن هذه التحركات عفوية، بل استهدفت رصد أدق التفاصيل المتعلقة بالأوضاع الأمنية والمعيشية لبناء قاعدة بيانات ضخمة. هذه المعلومات كانت تتدفق بانتظام إلى منصات إعلامية تابعة للجماعة خارج البلاد، ليتم هناك “طبخها” وإعادة صياغتها ضمن قوالب دعائية معدة مسبقًا، بعيدة كل البعد عن نقل الواقع، ومصممة خصيصًا لتصدير رواية بديلة تضخم السلبيات وتجتزئ الحقائق لتصوير سيناء كبؤرة تأزم دائم.

وفي قلب هذه الاستراتيجية المضللة، برزت الأفلام الوثائقية كأداة رئيسية لتزييف الحقائق؛ إذ اعتمدت الجماعة على مزج المعلومات الميدانية بلقطات أرشيفية ومشاهد “مفبركة” أو مُعاد تمثيلها لتبدو في ظاهرها كعمل مهني استقصائي، بينما هي في جوهرها سلاح موجه. وقد ركزت هذه المواد، بحسب الاعترافات، على تقديم سرديات مجتزأة للأوضاع الإنسانية والأمنية، في تحول استراتيجي للجماعة من الخطاب التحريضي المباشر إلى صناعة المحتوى البصري المعقد. كان الهدف من هذا التوجه هو مخاطبة الرأي العام الدولي وتشكيل تصورات مغلوطة عن الوضع في مصر، مما يؤكد أن الصراع لم يكن يومًا على السيادة الترابية فحسب، بل كان معركة وجودية لحماية العقل المصري من محاولات التزييف الممنهج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى