نبيل فهمي: الأمن القومي العربي يتطلب التكاتف.. وفلسطين قضيتنا الأولى وأمن الخليج جزء من الأمن القومي العربي


أيمن عامر
نبيل فهمي أمام مجلس الجامعة العربية: نحتاج إلى أجندة عربية متجددة عنوانها التصدي والتطوير والتنمية
أكد السيد نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن العالم العربي يمر بمرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات اليقظة والتكاتف والمسؤولية، في ظل تصاعد النزاعات وسباقات التسلح وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تشهد تغليب «قانون القوة على قوة القانون».
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، في دورته العادية السادسة والستين بعد المائة، التي عقدت بمقر الأمانة العامة للجامعة في 7 سبتمبر 2026.
وفي مستهل كلمته، أعرب فهمي عن سعادته بلقاء وزراء الخارجية العرب في أول اجتماع للمجلس منذ توليه مهامه أميناً عاماً للجامعة، موجهاً الشكر إلى الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، على جهوده خلال رئاسته للدورة السابقة، ومتمنياً التوفيق لمحمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج في الجمهورية التونسية، خلال رئاسته للدورة الحالية، كما وجه الشكر إلى أحمد أبو الغيط، الأمين العام السابق، على ما بذله من جهود خلال فترة توليه المنصب.
وقال الأمين العام إن إعادة تشكيل العالم العربي والشرق الأوسط تفرض تحديات ومخاطر وجودية، مشدداً على أن القرار السيادي العربي لا يتحقق بالانعزال عن العالم أو بالاعتماد المفرط على الآخرين، وإنما من خلال تكامل عربي يعزز القدرات الوطنية ويدعم الانفتاح الدولي.
وشدد على أن ما يجمع الدول العربية استراتيجياً يفوق بكثير ما قد تختلف حوله تكتيكياً، مؤكداً أن المخاطر التي تهدد دولة عربية تمتد آثارها إلى الجميع، فيما يمكن للفرص المتاحة لأي دولة أن تتحول، من خلال التعاون، إلى مكاسب أوسع للأمة العربية.
أجندة عربية جديدة
وأوضح فهمي أن المرحلة المقبلة تتطلب تبني مشروع عربي يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في التصدي للتحديات وبناء القدرات في مجال الأمن القومي بمفهومه الشامل، واستدامة التطوير الإنساني والمؤسسي، إلى جانب تحقيق التنمية الخلاقة والمستدامة التي تراعي حقوق المواطن والمجتمع وتعزز التعاون العربي.
وكشف عن اعتزامه التواصل مع القادة العرب ووزراء الخارجية في الدول الأعضاء لبلورة هذه الرؤية، تحت مظلة «أجندة عربية متجددة» عنوانها: التصدي والتطوير والتنمية، مع اعتماد ممارسات تقوم على المبادرة والفاعلية وتغليب الفعل على القول.
وأكد أن جامعة الدول العربية يجب أن تظل «بيتاً للعرب دون استثناء»، يعمل على حماية المصالح العربية، ودعم القدرات، وترسيخ الاستقرار، مشيراً إلى أنه سيعمل على تطوير آليات الجامعة بما يمكنها من استشراف المخاطر وتحديدها قبل وقوعها، وإدارة الأزمات عند حدوثها، ودعم القرار العربي بالمعلومات والخبرة والرؤية الاستباقية.
وفي هذا الإطار، أعلن عن العمل على بلورة مركز للتميز ليكون منصة عربية للخبرة والتحليل الاستراتيجي بشأن مصادر التهديد المستجدة، مع إعطاء أولوية للدبلوماسية الوقائية والإنذار المبكر وإدارة الأزمات ودعم جهود التسوية.
كما أشار إلى نيته الاستفادة من خبرات شخصيات عربية بارزة من خلال مجلس استشاري في مجالات مختارة، إلى جانب تعيين مبعوثين خاصين لبعض الملفات ذات الأولوية، وفقاً لطبيعة كل مهمة وإجراءاتها.
فلسطين في قلب الأولويات
وأكد فهمي أن فلسطين تظل «القضية الإقليمية الأولى» للعالم العربي وميزاناً لصدق المواقف العربية أمام الشعوب والعالم.
وأشار إلى استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، لافتاً إلى مقتل نحو 300 طفل فلسطيني خلال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار، كما انتقد ما وصفه بتعنت إسرائيل ومماطلتها في تنفيذ استحقاقات اتفاق قمة شرم الشيخ للسلام، محذراً من أن ذلك يقوض الانتقال من وقف إطلاق النار إلى سلام حقيقي.
كما تناول الأوضاع في الضفة الغربية والقدس، مشيراً إلى استمرار العنف الإسرائيلي وعنف المستوطنين، وتنامي الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى المبارك.
وأضاف أن الاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على الأراضي الفلسطينية، بل تمتد إلى جنوب لبنان والأراضي السورية، فضلاً عن تداعياتها في البحر الأحمر والصومال، مؤكداً أن العالم العربي يسعى إلى السلام والاستقرار، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وإنهاء الاحتلال والحفاظ على سيادة الدول العربية.
وكشف عن توجه الجامعة لتدشين آلية تنسيقية موحدة تربط بين المراصد العربية وإدارات الأمانة العامة المعنية، بهدف توحيد منهجيات رصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وإنتاج مخرجات دورية يمكن البناء عليها في التحرك السياسي والإعلامي والقانوني.
أمن الخليج وحرية الملاحة
وفيما يتعلق بإيران، أكد الأمين العام أن استهداف أراضٍ ومنشآت في دول عربية أمر لا تقبله جامعة الدول العربية ولا تجد له مسوغاً، مشدداً على أن الدول العربية ليست طرفاً في الحرب ولم تختر أن تكون ساحة للصراعات الإقليمية.
وأكد أهمية العودة إلى المسارات السياسية ووقف التصعيد، مشيراً إلى انفتاح الدول العربية على علاقات جوار متوازنة تقوم على احترام السيادة وسلامة الأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وشدد في الوقت ذاته على أن أمن دول الخليج العربية جزء من الأمن القومي العربي، وأن أي مساس به يعني الجامعة ودولها الأعضاء.
ولفت إلى أهمية مضيقي هرمز وباب المندب، مؤكداً أن تعطلهما يمثل خطراً مباشراً على الاقتصادات العربية وأمنها، فضلاً عن تأثيره في الاقتصاد الدولي، مشدداً على رفض تحويل الممرات البحرية العربية إلى أوراق في حسابات الآخرين، وأن حقوق الدول المشاطئة وحرية الملاحة يحكمها القانون الدولي.
دعم السودان ولبنان وسوريا والصومال وليبيا واليمن
وعلى صعيد الأزمات العربية، أكد فهمي أن النزاعات الداخلية تستنزف قدرات عدد من الدول العربية وتهدد وحدة أراضيها وتماسك مؤسساتها الوطنية، فضلاً عن دفع ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء.
وجدد موقف الجامعة الداعم للسودان في مواجهة استمرار الاقتتال وتداعياته الإنسانية، كما أكد الوقوف إلى جانب لبنان في صون وحدته وسيادته، ودعم سوريا في استعادة كامل أراضيها وتعافيها، والتمسك بوحدة الصومال ورفض أي ترتيبات تمس سيادته.
كما أشار إلى أهمية الحضور العربي الفاعل في ليبيا واليمن، مؤكداً أن الموقف العربي يقوم على البحث عن حلول سياسية، ووقف الاقتتال، وتوسيع المساعدات الإنسانية وضمان وصولها، وصون وحدة الدول العربية.
التنمية والاقتصاد والذكاء الاصطناعي
وأكد الأمين العام أن التكامل الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة يمثلان جزءاً أساسياً من قدرة الدول العربية على حماية أمنها وصياغة مستقبلها، خاصة في ظل التركيبة السكانية التي يغلب عليها الشباب وتطلعاتهم إلى فرص أفضل في التعليم والعمل واقتصادات أكثر تنافسية.
وشدد كذلك على أهمية تعزيز حضور المرأة في مواقع القيادة والعمل، باعتبار ذلك جزءاً أصيلاً من تعظيم طاقات المجتمعات العربية.
وأوضح أنه سيدفع باتجاه توجيه العمل الاقتصادي والتنموي للجامعة نحو أولويات محددة وقابلة للتنفيذ، تشمل التجارة والاستثمار، والأمن الغذائي والمائي، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتوطين التكنولوجيا، والتعافي وإعادة الإعمار، والمشروعات العربية المشتركة، والتعليم والصحة.
وشدد على أن قيمة الاجتماعات والقرارات لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن العربي، مؤكداً بدء بناء منظومة أكثر وضوحاً للتوجيه والمتابعة وتحديد المسؤوليات وقياس ما تحقق من قرارات.
تطوير منظومة العمل داخل الجامعة
وأشار فهمي إلى أنه بدأ منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية متابعة أعمال قطاعات الأمانة العامة بصورة مباشرة، موضحاً أن المتابعة كشفت عن قطاعات تقدم عملاً مهنياً ومبادرات وخدمات مهمة يمكن البناء عليها، إلى جانب مجالات أخرى تحتاج إلى التطوير ومعالجة بعض التداخلات في الاختصاصات وترشيد استخدام الموارد.
وأوضح أن بعض المجالات قد تتطلب إعادة هيكلة واستحداث عدد محدود من المناصب والاستعانة بكفاءات إضافية، مؤكداً أنه سيطرح هذه الاحتياجات على الدول الأعضاء بصورة محددة ومبررة عقب التشاور بشأنها.
كما أعلن العمل على وضع نظام لتحفيز وتقييم الأداء وفق معايير واضحة ومنصفة، بما يضمن بيئة عمل يعرف فيها كل موظف مسؤولياته وحقوقه وواجباته.
واختتم نبيل فهمي كلمته بالتأكيد على أن التحديات التي تواجه العالم العربي كبيرة، لكن مقومات الأمة العربية أكبر، في ظل ما تمتلكه من شباب وموارد وموقع استراتيجي وخبرات سياسية ودبلوماسية عريقة وثقل سياسي.
وأكد عزمه خلال فترة ولايته على أن تكون جامعة الدول العربية حاضرة وفاعلة في خدمة العمل العربي المشترك، ومواجهة التحديات، ودفع مسيرة التطوير، وتحقيق التنمية، بما يسهم في بناء مستقبل أفضل للأجيال العربية القادمة.





