مقالات الرأي

هذا المقال الذي لا أريد أحدًا أن يقرأه..

 

بقلم عبد الوهاب خضر..مستشار وزير العمل والمتحدث الرسمي للوزارة

هذا المقال تحديدًا لا أريد أحدًا أن يقرأه… خصوصًا أولئك الذين سيقرؤونه حتى آخر سطر ثم يعودون إليّ بالسؤال الأبدي: “هو يقصد مين؟!”.. لا أقصد أحدًا، والله لا أقصد أحدًا، أنا فقط أريد أن أفضفض قليلًا، فبعيدًا عن الرسميات، يحتاج الإنسان من وقت لآخر أن يكتب مثلًا شعبيًا، أو حكمة، أو حتى آية كريمة مثل “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”، ثم يغلق هاتفه وينام مرتاح الضمير….لكن المشكلة أن “فيسبوك” لم يعد يسمح لك بأن تفضفض بسلام… تكتب “ديل الكلب عمره ما يتعدل” فتجد أحدهم يسألك: “تقصدني؟!”.. تكتب “باب النجار مخلع” فيبحث النجار عن عنوانك.. تقول “اللي على راسه بطحة يحسس عليها” فتجد نصف قائمة الأصدقاء قد وضعت يدها فوق رأسها في اللحظة نفسها.. تكتب “رجعت حليمة لعادتها القديمة” فتزعل حليمة، مع أن حليمة أصلًا لا تعرف أنك موجود!… وتقول “وجبتك يا عبد المعين تعينني، لقيتك يا عبد المعين عايز تنعان” فيظهر عبد المعين شخصيًا ويطالبك بتوضيح رسمي… ولو كتبت “اللي اختشوا ماتوا” تجد من يسألك عن أسماء المتوفين، ولو قلت “ما يقع إلا الشاطر” يخرج لك واحد يقول: “يعني أنا غبي؟!”.. وتكتب بكل براءة “لو كان فيه الخير ما رماه الطير”… فتجد واحدًا يقلب المثل من أوله لآخره، ثم يسألك: “يعني إيه؟! هو أنا اللي اترميت؟!”.. يا سادة، ارحمونا قليلًا، فليس كل مثل منشور على فيسبوك رسالة مشفرة، وليس كل حكمة اغتيالًا معنويًا لشخص بعينه، وليس كل آية منشورة لها عنوان بريد إلكتروني محدد…

أحيانًا يكون الإنسان فعلًا يريد أن يقول مثلًا فقط، وأحيانًا يكون يريد أن يكتب “صباح الخير” فيحتاج بعدها إلى ثلاث فقرات يشرح فيها أنه لا يقصد شخصًا بعينه وأن الصباح كان عامًا وشاملًا لجميع المواطنين… بل إنك قد تكتب “جمعة مباركة” فتجد من يحدق في الشاشة طويلًا ثم يقول: “واضح إنه يقصد حاجة!”.. يا أخي، دي جمعة مباركة، مش بيان عاجل!..والأغرب أنك لو كتبت مثلًا بريئًا جدًا مثل “اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب” تجد الطبيب قد غضب، والمجرّب قد فرح، وأهل المهنة كلهم دخلوا في نقاش، ولو كتبت “اللي ما يعرفش يقول عدس” تجد شخصًا يقول لك: “أنا عارف كل حاجة، ومتقولش عليّ كده”، ولو كتبت “القرد في عين أمه غزال” تتفاجأ بأن أم القرد نفسها عملت لك بلوك!.. أما إذا قررت أن تكون أكثر حذرًا وكتبت فقط “وبكرة نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة”، فستجد من يسألك: “بكرة إمتى؟، والحيطة فين؟ ومين اللي هيعيط؟”.. وهنا تكتشف أن المشكلة ليست فيما كتبت، وإنما في أن هناك من قرر مسبقًا أنك كتبت عنه، ثم بدأ يبحث عن الدليل!..لذلك أصبحت أفكر جديًا في أن أكتب منشورًا لا يحتوي على أي كلمات، مجرد نقطة واحدة “.”، ومع ذلك أنا متأكد أن أحدهم سيقرأها ويقول: “واضح جدًا إن النقطة دي مقصودة!”..ولذلك، إذا رأيتموني غدًا أكتب “يا مستني السمنة من بطن النملة يحرم عليك التقلية”، فلا تبحثوا عن النملة، ولا تسألوا عن السمنة، ولا تفتشوا عن صاحب التقلية.. أنا فقط مواطن يريد أن يفضفض… وإذا كتبت “إحنا دافنينه سوا”، فلا أحد يسألني: “مين اللي مات؟!”.. وإذا كتبت “ابن الوز عوام”، فلا أحد يفتش عن الوز.. وإذا قلت “وباب النجار مخلع”، فلا يذهب أحد إلى النجار ليخبره أنني تحدثت عنه..

باختصار: أنا أكتب مثلًا، وأنت تقرأ مثلًا، وكل واحد يأخذ منه ما يناسبه.. أما إذا شعرت أن الكلام يخصك تحديدًا، فهذه مسألة بينك وبين إحساسك، وأنا مالي؟!..وفي النهاية، أرجوكم، لا تقرؤوا هذا المقال، ولا ترسلوا لي بعده رسالة تقول: “هو أنت تقصدني؟”.. لأنني لو كنت أقصدك فعلًا، فربما كنت سأكتب اسمك صراحة، وأريحك وأريح نفسي.. لكنني لن أفعل، ليس خوفًا منك، وإنما لأنني أعرف أن مجرد ذكر اسمك سيجعل شخصًا آخر يسألني: “طب وأنا؟!”.. وهكذا نعود إلى النقطة الأولى: هذا المقال الذي لا أريد أحدًا أن يقرأه.. ومع ذلك، شكرًا لأنك قرأته حتى النهاية.. وأرجوك، لا تأخذ منه شيئًا على محمل شخصي.. إلا إذا كنت أنت من وضع يده على رأسه!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى