عرب وعالم

الرياض وطوكيو توسعان الشراكة

تعاون متنامٍ في أمن الملاحة والاستثمار والذكاء الاصطناعي

تدخل العلاقات السعودية–اليابانية مرحلة جديدة تتجاوز الشراكة التقليدية في قطاعي النفط والطاقة، لتشمل أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي والاستثمارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية، في وقت تتزايد فيه أهمية المملكة بالنسبة إلى طوكيو باعتبارها شريكاً رئيسياً في منطقة الخليج.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي إلى السعودية، التي حملت في جانب مهم منها رسائل تتعلق بأمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب بحث سبل تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي مع الرياض ومسقط بشأن تطورات المنطقة.

وأكد مساعد وزير الخارجية اليابانية والمتحدث باسم الوزارة توشيرو كيتامورا أن بلاده تنظر إلى التعاون مع السعودية باعتباره تعاوناً «استراتيجياً يشمل جميع المجالات»، مشيراً إلى إمكانية أن تشهد العلاقات مستقبلاً تعاوناً في المجال الدفاعي.

أمن الملاحة في صدارة الاهتمام

ويحتل أمن الملاحة موقعاً متقدماً في الحسابات اليابانية تجاه الشرق الأوسط، نظراً لاعتماد الاقتصاد الياباني على تدفقات الطاقة والتجارة عبر المنطقة. وأوضح كيتامورا أن أكثر من 95 في المائة من واردات النفط الخام اليابانية كانت تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة بالمنطقة ذا انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة والاقتصاد الياباني.

وتسعى طوكيو في هذا السياق إلى تعزيز التنسيق مع السعودية وسلطنة عُمان، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بإيران، والعمل على دعم المسارات الدبلوماسية التي يمكن أن تساعد في خفض التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة.

ولا تنظر اليابان إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً مهماً لإمداداتها النفطية فحسب، بل بوصفه أحد الممرات الرئيسية التي تؤثر في حركة التجارة العالمية. وينطبق الأمر ذاته على باب المندب، الذي يمثل حلقة أساسية في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وأعرب المسؤول الياباني عن قلق بلاده إزاء الهجمات التي نفذها الحوثيون في منطقة باب المندب، في ظل ما تسببه التوترات البحرية من مخاطر على السفن وحركة التجارة وإمدادات الطاقة.

تعاون دفاعي محتمل

ويبرز الجانب الأمني باعتباره أحد أكثر التطورات دلالة في مسار العلاقات بين الرياض وطوكيو. فقد أشار كيتامورا إلى أن التعاون الدفاعي مع السعودية قد يشهد تطوراً إيجابياً في المستقبل، من دون الإعلان عن اتفاق محدد أو قرار رسمي في الوقت الراهن.

وبشأن إمكانية انضمام اليابان إلى «التحالف البحري الدفاعي» الذي تقوده السعودية لحماية الملاحة، أوضح المسؤول الياباني أن طوكيو تتابع المناقشات المتعلقة بهذا الملف، وأن هناك اتصالات وثيقة بين الجهات الدفاعية المعنية.

وأكد في المقابل عدم وجود قرار رسمي ياباني حتى الآن، ما يعني أن الملف لا يزال في مرحلة التشاور والدراسة. ويعكس ذلك اتجاهاً يابانياً أكثر اهتماماً بالبعد الأمني في الخليج، بالتوازي مع حرص طوكيو على الحفاظ على سياستها القائمة على دعم الحوار والدبلوماسية.

سبعة عقود من العلاقات

وتستند الشراكة الجديدة إلى علاقات دبلوماسية تمتد لنحو سبعة عقود، احتفل البلدان العام الماضي بمرور 70 عاماً على تأسيسها. وخلال هذه الفترة، شكل النفط والبتروكيماويات محوراً أساسياً للعلاقات الاقتصادية، مع دخول الشركات اليابانية إلى السوق السعودية منذ ثمانينات القرن الماضي وتراكم خبرات ومصالح مشتركة في قطاع الطاقة والصناعة.

غير أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها السعودية دفعت العلاقة إلى مساحة أوسع، إذ لم تعد طوكيو تنظر إلى المملكة باعتبارها مصدراً رئيسياً للطاقة فقط، وإنما باعتبارها سوقاً استثمارية مهمة ومركزاً اقتصادياً إقليمياً يوفر فرصاً في قطاعات جديدة.

وتوفر «الرؤية السعودية اليابانية 2030» إطاراً مهماً لهذا التحول، من خلال تشجيع الاستثمارات والشراكات بين الشركات في البلدين، وربط الخبرات اليابانية بالأهداف التي تسعى السعودية إلى تحقيقها في إطار «رؤية السعودية 2030».

من النفط إلى التكنولوجيا

ويأتي تنويع الاستثمارات في قلب المرحلة الجديدة من الشراكة. فاليابان تسعى إلى توسيع حضور شركاتها في السعودية ليشمل قطاعات تتجاوز النفط والبتروكيماويات، مستفيدة من برامج التنويع الاقتصادي والمشروعات الكبرى التي تشهدها المملكة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي والبيانات باعتبارهما من المجالات التي يمكن أن تشهد توسعاً أكبر في التعاون. وأوضح كيتامورا أن الحكومة اليابانية حددت 17 قطاعاً ذا أولوية للاستثمار، من بينها الذكاء الاصطناعي والبيانات، وهي مجالات تتقاطع بصورة واضحة مع توجهات السعودية في التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم بدرجة أكبر على التكنولوجيا والمعرفة.

ولا يقتصر الاهتمام الياباني على الاستثمارات التقليدية، إذ تشمل المجالات المطروحة أيضاً الترفيه والرسوم المتحركة والمانغا والرياضات الإلكترونية. وتوفر السوق السعودية، التي تشهد توسعاً سريعاً في قطاعات الترفيه والثقافة الرقمية، فرصاً أمام الشركات اليابانية التي تمتلك خبرة واسعة في هذه الصناعات.

وأشار كيتامورا إلى مشروع «دراغون بول» في السعودية باعتباره أحد الأمثلة على فرص التعاون في الصناعات الإبداعية، مؤكداً استعداد بلاده لتطوير الشراكة في هذا المجال.

السعودية بوابة يابانية إلى المنطقة

وتكتسب السعودية أهمية إضافية بالنسبة إلى اليابان بسبب ثقلها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. فطوكيو ترى في الرياض طرفاً رئيسياً يمكن من خلاله فهم التطورات الإقليمية وتعزيز قنوات الاتصال مع دول الخليج.

ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة وزير الخارجية الياباني في توقيت يرتبط بتطورات أمنية وسياسية متسارعة، فيما ركزت طوكيو على الاستماع إلى تقييم السعودية للأوضاع الإقليمية، خصوصاً ما يتعلق بإيران وأمن الملاحة.

وتبدو سلطنة عُمان جزءاً مهماً من هذا التحرك الياباني، في ضوء الدور الذي تؤديه مسقط في الاتصالات والحوار الإقليمي. ومن المنتظر أن تستمر المشاورات اليابانية مع الجانب العُماني بعد زيارة السعودية، بما يعكس رغبة طوكيو في التعامل مع أمن المنطقة من خلال التواصل مع أكثر من طرف.

شراكة متعددة المسارات

وتشير هذه التحركات إلى أن العلاقات السعودية–اليابانية تتجه نحو نموذج أكثر شمولاً، لا يعتمد على النفط وحده، وإنما يجمع بين الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والأمن والتجارة والصناعات الإبداعية.

وفي المقابل، تمثل السعودية بالنسبة إلى اليابان شريكاً مهماً في تأمين إمدادات الطاقة، وسوقاً متنامية أمام الشركات اليابانية، وفاعلاً إقليمياً مؤثراً في ملفات الأمن والاستقرار.

وبينما لا تزال الملفات الدفاعية في مرحلة التشاور، فإن مجرد طرح إمكانية التعاون مستقبلاً يمثل مؤشراً على اتساع نطاق العلاقة بين البلدين. ومع استمرار التوترات في الممرات البحرية وتنامي أهمية أمن الطاقة، تبدو الشراكة بين الرياض وطوكيو مرشحة لمزيد من التوسع، خصوصاً في المجالات التي تجمع بين المصالح الاستراتيجية والتكنولوجيا والاستثمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى