الرئيسيةمقالات الرأي

مريم بدران تكتب : المرأة المطلقة.. حين تتحول من إنسانة إلى فريسة

الطلاق في الأوراق إجراء قانوني، لكن في الواقع؟ هو لحظة سقوط اجتماعي تُعلن فيها محاكمة امرأة أمام الجميع، دون قاضٍ ودون دفاع. حين تُقال كلمة “مطلقة”، لا يسمعها المجتمع كحالة اجتماعية، بل كإشارة خضراء. فجأة، تصبح حياتها مباحة للتأويل، وجسدها موضوعًا للفضول، وخطواتها تحت المجهر.

الرجل حين يطلق، يبدأ من جديد. يُقال عنه:”تجربة وانتهت.” أما هي، فلا تكاد تمر من الباب إلا وتسمع: “أكيد فيها شيء.” شيء ماذا؟ عيب؟ نقص؟ تمرد؟ سوء سلوك؟

المجتمع لا يحتاج دليلًا. يكفي أنها خرجت من زواج. المرأة المطلقة لا تعيش حريتها… بل تعيش تحت المراقبة ، كل ضحكة محسوبة ، كل ملابس تُفسر ،كل نجاح يُشكك فيه.

وإن كانت جميلة، فالمصيبة أكبر. بعض الرجال لا يرون فيها إنسانة خرجت من تجربة مؤلمة، بل يرون “فرصة”.

عيون تتغير نظرتها حين تعرف حالتها. كلمات تبدأ بالاحترام، وتنتهي بتلميحات رخيصة ، “لو احتجتِ أي شيء أنا موجود.” جملة تبدو نبيلة… لكنها أحيانًا باب لابتزاز مبطن.

بعضهم يتعامل معها وكأن الطلاق ألغى حدودها. كأنها أصبحت أقل استحقاقًا للاحترام. كأن وجود رجل في حياتها كان هو الحارس الوحيد لأخلاق الآخرين. المرضى جنسيًا لا يخافون امرأة مطلقة، بل يعتقدون أنها الحلقة الأضعف. يقتربون أكثر من اللازم، يختبرون صمتها، يحسبون صبرها موافقة.

ثم هناك الجرح الأكبر… العائلة. ليست كل العائلات حضنًا آمنًا. بعض البيوت تستقبل ابنتها المطلقة بعبارة: “تحملي لأجل أولادك.” “ارجعي له مهما حصل.” “الناس لا ترحم.” 

وكأن سمعة العائلة أهم من سلامتها النفسية، وكأن بقاءها في علاقة مؤذية أقل عارًا من خروجها منها. بعض الآباء يخجلون من ذكر أن ابنتهم تطلقت. بعض الأمهات يطلبن منها أن تخفف ظهورها في المناسبات. بعض الإخوة يراقبونها أكثر مما يحمونها. تصبح عبئًا بدل أن تكون ابنة. قضية يجب إخفاؤها، لا جرحًا يجب تضميده.

وإن كانت أمًا، فالمعادلة أقسى. هي مطالبة أن تكون قوية دائمًا، أن تعمل، وتربي، وتشرح غياب الأب بلطف، أن تخفي دموعها كي لا يضعف أطفالها، أن تحارب وحدها، دون أن تنهار. وفي الوقت نفسه، تُدان إن حاولت أن تحب مرة أخرى. كأن الأمومة سجن أبدي، وكأن حقها في الحياة يسقط لحظة توقيع الطلاق.

المجتمع لا يرى كم ليلة بكت، لا يرى كم مرة صمتت كي لا تتفكك، لا يرى كم محاولة إصلاح سبقت القرار. يرى النتيجة فقط. ويحكم.

الطلاق ليس فشلًا دائمًا ، أحيانًا يكون النجاة الوحيدة، أحيانًا يكون شجاعة لا يملكها إلا من ذاق الانكسار ورفض أن يموت فيه.

المرأة المطلقة ليست مشروع شفقة، وليست جسدًا بلا حماية، وليست فرصة لأحد. هي إنسانة دفعت ثمن قرار لم يكن سهلًا. دفعت من قلبها، ومن سمعتها، ومن أمانها النفسي. لكنها خرجت. خرجت لتقول: كرامتي ليست قابلة للتفاوض، سلامي النفسي ليس ترفًا، وحياتي ليست ملكًا لنظراتكم.

المشكلة ليست في المطلقة، المشكلة في مجتمع يرى المرأة من خلال علاقتها برجل ، فإن كانت معه احترمها. وإن خرجت، شكك فيها.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا تطلقت؟ السؤال: لماذا نخاف من امرأة اختارت نفسها؟

حين نرى مطلقة، هل نرى قصة فشل؟ أم نرى امرأة قاومت، وتعرضت للأذى، وربما للتحرش، وربما للخيانة من أقرب الناس، ثم وقفت من جديد؟

بعض النساء لا يخرجن من الزواج مهزومات، يخرجن ناجيات. والناجيات لا يحتجن شفقة، يحتجن مجتمعًا يتعلم أن يحترمهن… دون شروط.

إلى كل امرأة تعيش هذا الطريق:
لا تجعلي الطلاق تعريفك الوحيد. أنتِ أكثر من تجربة انتهت، وأكثر من لقب فرضه المجتمع عليك. لا تقبلي بعلاقة تُطفئك خوفًا من كلام الناس، ولا تعودي إلى ألم تعرفينه هربًا من نظراتهم.

اختاري شريكًا يرى فيك إنسانة لا ظلًا، وأبًا يحمي أبناءك لا مجرد اسم في أوراقهم. وتذكري دائمًا: لنفسك عليكِ حق، وكرامتك ليست خيارًا ثانويًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى