
بقلم: المستشار الدكتور/ فاروق شاهين – خبير اقتصادي
في لحظة دولية تتسم بقدر غير مسبوق من الاضطراب، حيث تتقاطع الحروب الإقليمية مع الضغوط الاقتصادية العالمية، لم يعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي هدفًا تقليديًا، بل بات تحديًا يوميًا يتطلب إدارة دقيقة ورؤية استراتيجية متماسكة. وفي هذا السياق، يبرز الاقتصاد المصري كنموذج يحاول صياغة معادلة دقيقة تجمع بين الصمود أمام الصدمات، والاستمرار في تحقيق معدلات نمو مقبولة.
تشير المؤشرات الصادرة عن البنك المركزي المصري إلى أن الاقتصاد تمكن من الحفاظ على توازن نسبي في مؤشرات الأداء الكلي، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، وتداعيات اضطراب سلاسل الإمداد، والتقلبات الحادة في أسواق الطاقة والغذاء. ويعكس هذا الأداء قدرة السياسات النقدية على امتصاص الصدمات الخارجية، والحد من انتقال آثارها إلى الداخل.
وعلى صعيد الاقتصاد الحقيقي، تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء استمرار النشاط في القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة والتشييد والبنية التحتية، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للنمو في المرحلة الراهنة. كما سجلت الصادرات غير البترولية تحسنًا ملحوظًا، متجاوزة مستويات 35 مليار دولار، بما يعكس تحسن القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
اقتصاد تحت الضغط… لكنه متماسك
التحدي الأكبر الذي تواجهه الاقتصادات الناشئة لا يتمثل فقط في تباطؤ النمو العالمي، بل في استمرار حالة عدم اليقين لفترات طويلة، وهو ما يفرض على صانع القرار التحرك في نطاق ضيق بين احتواء التضخم ودعم النشاط الاقتصادي. وفي مصر، اتسمت السياسة النقدية بمرونة نسبية، حيث تم توظيف أدوات متعددة لضبط معدلات التضخم، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، إلى جانب تعزيز دور الجهاز المصرفي في تمويل القطاعات الإنتاجية.
سياسات حكومية تتجاوز إدارة الأزمة
لم تقتصر استجابة الدولة على احتواء التداعيات قصيرة الأجل، بل امتدت إلى تبني سياسات إصلاح هيكلي تستهدف إعادة تشكيل بنية الاقتصاد، ومن أبرزها:
التوسع في برامج الحماية الاجتماعية لتخفيف الضغوط على الفئات الأكثر تأثرًا
دعم الصناعات ذات القيمة المضافة وتعميق التصنيع المحلي
تسريع برامج توطين الصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات
تحسين بيئة الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية
مواصلة الاستثمار في مشروعات البنية التحتية كرافعة للنمو طويل الأجل
هذه السياسات تعكس تحولًا نوعيًا من إدارة الأزمات إلى إدارة التحول الاقتصادي، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات العالمية.
الإدارة المتكاملة… أساس الاستدامة
لم يعد النمو الاقتصادي مرهونًا بالمؤشرات الرقمية فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة منظومة متكاملة تربط بين السياسات النقدية والمالية والاستثمارية والإنتاجية. وفي هذا الإطار، تتبلور ثلاثة محاور رئيسية لضمان الاستقرار والنمو: المرونة في مواجهة الصدمات، التنويع في مصادر الدخل، وتعزيز القاعدة الإنتاجية.
بين التحدي والفرصة
رغم تعقيد المشهد العالمي، يتحرك الاقتصاد المصري ضمن رؤية تستهدف بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة، قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مدعومة باستمرار برامج الإصلاح الهيكلي، والتوسع في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، والتحول الرقمي.
خلاصة القول
في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين، لا تملك الدول رفاهية الانتظار، بل يتعين عليها التحرك بمرونة وكفاءة. ومصر، في هذا السياق، تسعى إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قادر على الصمود في وجه الأزمات، وفي الوقت ذاته استثمارها كفرص للنمو المستدام، لتصبح الإدارة الاقتصادية الواعية ركيزة أساسية في معادلة المستقبل.




