مصر

الصين وأفريقيا.. شراكة تتجاوز الاقتصاد ومصر بوابة رئيسية إلى القارة

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

لم تعد العلاقة بين الصين وأفريقيا مجرد شراكة اقتصادية تتركز في تمويل الطرق والموانئ ومحطات الطاقة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة متشعبة من المصالح التجارية والاستثمارية والصناعية والتكنولوجية، تمتد من شرق القارة إلى غربها، وتشمل قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والتصنيع والتكنولوجيا الحديثة.

وفي قلب هذه الخريطة تبرز مصر باعتبارها إحدى أهم حلقات الاتصال بين المصالح الصينية في آسيا وأفريقيا. فموقعها الجغرافي عند ملتقى البحرين المتوسط والأحمر، ووجود قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب عضويتها في عدد من التجمعات العربية والأفريقية، يمنحها قدرة على تجاوز حدود السوق المحلية لتصبح منصة يمكن للشركات الصينية من خلالها النفاذ إلى أسواق القارة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن التجارة بين الصين والدول الأفريقية سجلت 295.6 مليار دولار خلال عام 2024، وهو مستوى قياسي جديد، فيما بلغت التجارة خلال الربع الأول من عام 2025 نحو 72.6 مليار دولار، بزيادة 2.7% على أساس سنوي.

كما ارتفع حجم التجارة بين الصين والدول الأفريقية إلى نحو 1.41 تريليون يوان، بما يعادل قرابة 208.36 مليارات دولار، خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً.

وتكشف هذه الأرقام أن العلاقات بين الجانبين لم تعد هامشية؛ فأفريقيا تمثل للصين سوقاً واسعة للسلع والاستثمارات وفرصة لتوسيع سلاسل الإنتاج، بينما ترى دول أفريقية في بكين شريكاً مهماً لتمويل وتنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والتصنيع.

الحزام والطريق.. من مشروعات البنية التحتية إلى شبكة اقتصادية متكاملة

مثّل إطلاق مبادرة الحزام والطريق نقطة تحول رئيسية في علاقة الصين بالقارة الأفريقية، بعدما تجاوزت المبادرة مفهوم إنشاء الطرق والسكك الحديدية لتتحول إلى إطار أوسع للتعاون في مجالات النقل والطاقة والتجارة والصناعة والاتصالات.

وخلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي التي عقدت في بكين عام 2024، أعلنت الصين حزمة من الإجراءات لتعميق التعاون مع الدول الأفريقية، شملت توسيع فرص وصول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية، ودعم التصنيع وسلاسل الإنتاج، وتعزيز التعاون الرقمي، وتنفيذ 30 مشروعاً للبنية التحتية والربط، إلى جانب دعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وأصبحت الطاقة المتجددة إحدى أبرز ساحات التعاون الجديدة بين الطرفين. ووفق بيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس عن مركز ODI Global، وصلت الاستثمارات الصينية والمشروعات المرتبطة بالطاقة المتجددة في أفريقيا إلى نحو 66 مليار دولار بين عامي 2010 و2024، بما يعكس توسع الحضور الصيني في مجالات الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة.

كما أشارت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» في تقرير حول الاستثمار في أفريقيا إلى أن الاستثمارات الصينية في القارة، التي تقترب من 42 مليار دولار، بدأت تتجه إلى قطاعات أكثر تنوعاً، بينها الصناعات الدوائية وتصنيع الأغذية، بينما تركز نسبة كبيرة من مشروعات الحزام والطريق على البنية الاجتماعية والطاقة المتجددة.

أفريقيا.. سوق ضخمة واحتياجات متزايدة

تتمثل جاذبية أفريقيا بالنسبة إلى الصين في معادلة اقتصادية واضحة؛ فقارة تضم أكثر من مليار نسمة، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والنقل والتصنيع، وفي الوقت نفسه تمتلك موارد طبيعية وأسواقاً تتمتع بإمكانات نمو كبيرة.

لكن طبيعة العلاقة بدأت تتغير، فلم تعد قائمة فقط على تصدير الموارد الطبيعية مقابل تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، إذ تتجه الصين إلى تعزيز حضورها في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والاتصالات والتجارة الإلكترونية والتصنيع.

وفي المقابل، تسعى الدول الأفريقية إلى الاستفادة من المنافسة الدولية على القارة لجذب استثمارات توفر فرصاً أكبر لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، بدلاً من الاستمرار في نموذج تصدير المواد الخام.

ويظهر هذا التحول بوضوح في أجندة منتدى التعاون الصيني الأفريقي، التي ركزت على التصنيع والتحديث الزراعي والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تتجاوز النموذج التقليدي للعلاقات الاقتصادية بين الصين والدول النامية.

مصر.. لماذا تمثل بوابة طبيعية للصين إلى أفريقيا؟

تكتسب مصر أهمية خاصة في هذه المعادلة، فهي لا تمتلك سوقاً محلية كبيرة فحسب، وإنما تتمتع أيضاً بموقع استراتيجي وقناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية في حركة التجارة العالمية، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تجمع بين الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.

ومن ثم، لا يمكن النظر إلى الاستثمارات والحضور الصيني في مصر بمعزل عن الاستراتيجية الصينية تجاه أفريقيا.

وأكدت بكين في مناسبات رسمية استعدادها للمشاركة في تطوير محور قناة السويس وتعزيز التعاون داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب دعم مشروعات البنية التحتية والتعاون الثلاثي بين مصر والصين والدول الأفريقية.

كما ينظر الجانب المصري إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى المحطات المهمة لمبادرة الحزام والطريق، ومركزاً إقليمياً يمكن أن يدعم إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.

وتكمن جاذبية المنطقة للشركات الصينية في الجمع بين الموقع الجغرافي والموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية، فضلاً عن سهولة الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وبذلك، فإن المصنع الصيني المقام داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا يستهدف المستهلك المصري وحده، وإنما يمكن أن يستخدم مصر كقاعدة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والأفريقية.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. منصة للصناعة الصينية

تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجاً عملياً لفكرة تحول مصر إلى نقطة اتصال بين الصين وأفريقيا.

وفي نوفمبر 2025، أعلنت الهيئة الاقتصادية لقناة السويس نجاح المنطقة خلال ثلاثة أعوام ونصف في جذب استثمارات بلغت نحو 11.6 مليار دولار، كان نحو نصفها استثمارات صينية، بما يعكس الوزن المتزايد للشركات الصينية داخل المنطقة.

وفي أغسطس 2025، وقعت المنطقة الاقتصادية اتفاقاً مع شركة صينية لإقامة مشروع للمنسوجات والملابس في منطقة القنطرة غرب باستثمارات تصل إلى 130 مليون دولار، مع تخصيص كامل الإنتاج للتصدير وتوفير أكثر من 3200 فرصة عمل مباشرة، وفق البيانات المصرية الرسمية.

وسبق ذلك الإعلان عن مشروع صيني آخر في قطاع المنسوجات باستثمارات تبلغ 22.6 مليون دولار، مع استهداف تصدير 90% من الإنتاج إلى الخارج.

وتعكس هذه المشروعات تحولاً مهماً في طبيعة الحضور الصيني بمصر؛ فبكين لا تتعامل مع القاهرة كسوق استهلاكية فقط، وإنما باعتبارها قاعدة إنتاج وتصدير.

من مصر إلى أفريقيا.. معادلة الموقع والسوق

تزداد أهمية مصر بالنسبة إلى الصين عند وضعها في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

فمصر عضو في الاتحاد الأفريقي، وتشارك في عدد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية، كما تتمتع بموقع يربط شمال القارة بشرقها، فضلاً عن اتصالها بالبحر المتوسط والبحر الأحمر.

وهذا يجعل إقامة قاعدة صناعية صينية في مصر قادرة على خدمة أكثر من سوق في الوقت نفسه، بما يتقاطع مع طموح القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.

وتدعم الصين هذا التوجه من خلال التأكيد على تطوير شبكات الربط الأفريقية، وتعزيز التعاون اللوجستي والمالي، ودعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

الصين ومصر.. شراكة تتجاوز التجارة

العلاقات المصرية الصينية ليست نتاج مبادرة الحزام والطريق وحدها، وإنما تمتد لعقود، وتعتبر بكين مصر شريكاً استراتيجياً مهماً، في حين كانت القاهرة من أوائل الدول العربية والأفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

وفي عام 2014، ارتقت العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات والصناعة.

وخلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين في مايو 2024، وقع البلدان خطة للتطوير المشترك لمبادرة الحزام والطريق، إلى جانب اتفاقات ومذكرات تفاهم في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والاتصالات وغيرها.

كما تؤكد بكين بصورة متكررة أن مصر شريك طويل الأمد في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق، مع ربط التعاون بين البلدين برؤية مصر 2030 ومشروع تطوير محور قناة السويس.

وفي أحدث مؤشرات عمق العلاقات، وصف الرئيس الصيني شي جين بينج، في مقال نشرته وسائل إعلام مصرية في الأول من سبتمبر 2026، مصر بأنها شريك تجاري واستثماري رئيسي للصين في العالم العربي وأفريقيا، مشيراً إلى كونها من أوائل الدول المشاركة في تعاون الحزام والطريق، وإلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها نموذجاً للتعاون الصناعي بين البلدين.

أرقام تكشف عمق الشراكة المصرية الصينية

وفق بيانات مصرية رسمية، بلغ حجم التجارة بين مصر والصين 20.97 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل نحو 17.37 مليار دولار خلال عام 2024.

وتشير البيانات المصرية كذلك إلى وجود نحو 200 شركة صينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فيما بلغ حجم الاستثمارات الصينية في مصر خلال السنوات الأخيرة نحو 1.4 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية.

وتتنوع المشروعات الصينية الكبرى في مصر بين منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات النقل الكهربائي، ومشروعات صناعية ولوجستية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وبذلك، أصبحت العلاقات المصرية الصينية نموذجاً لـالتعاون متعدد المستويات، الذي يجمع بين التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتصنيع والطاقة والنقل والتكنولوجيا.

بكين تعيد صياغة أدواتها في أفريقيا

رغم أهمية البعد الاقتصادي، فإن اختزال الحضور الصيني في أفريقيا في المشروعات والاستثمارات فقط يقدم صورة غير مكتملة؛ إذ تتحرك بكين عبر مستويات متوازية تشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتدريب والتكنولوجيا والتمويل والدبلوماسية متعددة الأطراف.

وخلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي عام 2024، صاغت الصين والدول الأفريقية رؤية لبناء «مجتمع صيني أفريقي ذي مستقبل مشترك»، مع التركيز على التحديث والتنمية والتعاون في مجموعة واسعة من القطاعات.

كما أعلنت بكين إجراءات لتوسيع دخول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية، بينها إعفاءات جمركية بنسبة 100% على بنود التعريفة الجمركية للدول الأفريقية الأقل نمواً التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، في محاولة لمعالجة أحد الاختلالات الرئيسية في العلاقات التجارية، والمتمثل في محدودية نفاذ المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية.

أفريقيا بين القوى الكبرى.. والصين أمام منافسة متزايدة

لا تتحرك الصين في القارة الأفريقية بمفردها، إذ أصبحت أفريقيا ساحة تنافس متزايد بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا ودول الخليج وتركيا وغيرها.

إلا أن النموذج الصيني يتميز بقدرته على الجمع بين التمويل والتنفيذ والتجارة والتصنيع ضمن منظومة تعاون واحدة.

وفي الوقت نفسه، بدأت دول أفريقية في السعي للحصول على قيمة مضافة أكبر من علاقاتها مع الصين، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والتصنيع والتكنولوجيا، وهو ما قد يدفع الشراكة خلال السنوات المقبلة من نموذج «الممول والمتلقي» إلى نموذج يقوم على شراكات إنتاجية أكثر توازناً.

العلاقات الصينية الأفريقية تدخل مرحلة جديدة

تدخل العلاقات الصينية الأفريقية مرحلة جديدة، في ظل ارتفاع التجارة إلى مستويات قياسية، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وزيادة الاستثمارات في التصنيع والتكنولوجيا، وتطور أجندة منتدى التعاون الصيني الأفريقي.

وتشير هذه التطورات إلى أن بكين لم تعد تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد مصدر للمواد الخام أو سوقاً لتصريف المنتجات الصينية، في الوقت الذي تبحث فيه الدول الأفريقية عن شريك يساعدها في سد فجوات البنية التحتية والتصنيع والطاقة، مع السعي للحصول على شروط أفضل لنقل التكنولوجيا وزيادة التصنيع المحلي.

وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر في موقع مميز؛ فهي تمتلك قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، وسوقاً محلية كبيرة، وارتباطات عربية وأفريقية واسعة، فضلاً عن علاقات استراتيجية متنامية مع بكين.

وهكذا، لم يعد «الحزام والطريق» مجرد مسار لمرور السلع والبضائع، وإنما أصبح شبكة اقتصادية متكاملة يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل خريطة الصناعة والتجارة والنفوذ الاقتصادي في أفريقيا خلال العقود المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى