عرب وعالم

بإشراف الشيخ معاذ القادري.. «مجالس الأنوار» تستحضر امتداد التصوف المغربي في إفريقيا

 

تواصلت، امس السبت 22 اغسطس 2026، فعاليات اليوم الثالث من أشغال الدورة الثانية لـ«مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ»، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، شرق المملكة المغربية، بإشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف لسنة 1448هـ/2026م، تحت شعار «امتداد التراث الصوفي المغربي بإفريقيا: المسارات، التجليات، والآفاق»، بمشاركة علماء وباحثين من المغرب والخارج.

وشهدت فعاليات اليوم الثالث مناقشة المحور الثالث من البرنامج، تحت عنوان «التراث الصوفي المغربي وانتقاله المعرفي إلى إفريقيا»، وهو محور يروم إبراز أن الامتداد المغربي لم يكن مقتصرًا على الطرق والزوايا، وإنما شمل أيضًا الكتاب والنص والمعرفة والشعر والمديح النبوي.

 

وفي هذا السياق، أكد الدكتور علي يعقوب، أستاذ التعليم العالي بالجامعة الإسلامية بالنيجر، أن العلاقات المغربية مع غرب إفريقيا قامت تاريخيًا على روابط تجارية وثقافية وعلمية وروحية عميقة، لم تكن الصحراء عائقًا أمام تطورها.

 

وأوضح، في ورقته البحثية «امتداد التراث الصوفي المغربي بغرب إفريقيا»، أن الدراسات ركزت كثيرًا على الجانب التجاري، في حين لم تحظَ العلاقات العلمية والروحية بالاهتمام الكافي.

 

وأبرز الباحث كتابي «الشفا» للقاضي عياض و«دلائل الخيرات» لأبي الحسن الجزولي نموذجًا لانتقال التراث الصوفي المغربي إلى غرب إفريقيا، من خلال نشر السيرة النبوية والشمائل والمدائح، وتعزيز التواصل العلمي والروحي بين المغرب وعمقه الإفريقي.

 

من جانبه، ألقى الدكتور عبد العزيز سانا، من بوركينا فاسو، الأستاذ الجامعي بالجامعة الإسلامية بالنيجر، مداخلة علمية تناول فيها موضوع «تلقي الزوايا والكتاتيب البوركينابية لتخميس الوسائل المتقبلة في مدح النبي وتأثيره في تعظيم الرسول لدى المتصوفة في المجتمع البوركينابي».

 

وتناول الدكتور سانا ظاهرة تلقي المديح النبوي في بوركينا فاسو، سواء باللغة العربية أو باللغات المحلية، داخل الزوايا الصوفية والكتاتيب العلمية، مبرزًا انعكاسات هذا التلقي على المجتمع الصوفي البوركينابي، ودوره في ترسيخ محبة الرسول وتعظيمه في الوجدان الديني والاجتماعي.

 

وأشار الباحث إلى أن تلقي المديح النبوي في بوركينا فاسو يمتد إلى تاريخ عريق ارتبط بدخول الإسلام إلى المنطقة عبر شمال إفريقيا، وما رافق ذلك من انتقال وتأثير الفكر الصوفي القادم من المغرب العربي، الذي أسهم، منذ وقت مبكر، في تشكيل جوانب من الحياة الدينية والروحية للمسلمين في المنطقة.

 

ورصد الباحث مدى تأثير الفكر الصوفي في المجتمع البوركينابي بصورة عامة، قبل الانتقال إلى أربعة محاور رئيسية تناولت موضوع المديح النبوي وتلقيه داخل الزوايا والكتاتيب، وصولًا إلى استخلاص أبرز النتائج المتعلقة بتأثير قصائد «تخميس الوسائل المتقبلة» في تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم داخل المجتمع البوركينابي.

 

كما عرّف المتدخل بالزوايا والكتاتيب في بوركينا فاسو ودورها في الحياة العلمية، ثم أوضح مراحل قصائد «تخميس الوسائل المتقبلة في مدح النبي» من حيث نشأتها وتلقيها وتداولها، مبرزًا أنماط تلقي هذه القصائد والوسائط التي أسهمت في انتشارها داخل الأوساط الصوفية والعلمية.

 

وكشف الباحث، في السياق ذاته، عن تأثير تلقي هذه القصائد في المجتمع الصوفي البوركينابي، ولا سيما في تعزيز محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وترسيخ حضور المديح النبوي في الممارسة الدينية والثقافية للمجتمع.

 

وخلص الدكتور سانا إلى إبراز المكانة التي يحتلها المديح النبوي في البيئة الصوفية البوركينابية، باعتباره أحد مظاهر التواصل الروحي والثقافي الذي أسهم في تعزيز الارتباط بالنبي صلى الله عليه وسلم، والحفاظ على تقاليد التلقي العلمي والروحي داخل الزوايا والكتاتيب.

 

وفي مداخلة أخرى، بحث الدكتور علي أبولاحي عبدالرزاق، الأستاذ الجامعي بكلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية بالنيجر، موضوع «امتدادات البردة والهمزية في المدائح النبوية النيجيرية: دراسة تناصية لنماذج من القصائد»، مسلطًا الضوء على حضور المديح النبوي في الشعر العربي الذي أنتجه علماء ومتصوفة نيجيريا، ومدى تأثره بالنماذج الشعرية العربية الكلاسيكية، وفي مقدمتها بردة الإمام البوصيري وهمزيته.

 

وأوضح الباحث أن الشعر العربي يحتل مكانة بارزة في وجدان العلماء والمتصوفة في نيجيريا، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي اضطلع به هؤلاء العلماء في نشر الإسلام، إلى جانب ترسيخ اللغة العربية وآدابها باعتبارها وسيلة أساسية لنقل العلوم والمعارف الإسلامية إلى مختلف الشعوب والأعراق.

 

وأشار الدكتور علي أبولاحي عبدالرزاق إلى أن علماء التصوف في نيجيريا راكموا، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، رصيدًا مهمًا في اللغة العربية وآدابها، مكّنهم من إنتاج أدب إسلامي باللغة العربية في أجناس أدبية متعددة، شملت الشعر والنثر، وأسهم في تشكيل ملامح ما يمكن تسميته بالأدب الإسلامي النيجيري المكتوب باللغة العربية.

 

وتوقف الباحث عند مفهوم التناص باعتباره إحدى الظواهر الأساسية في الإبداع الأدبي، حيث يتفاعل النص الجديد مع نصوص سابقة أو معاصرة من خلال الاقتباس والتلميح والمحاكاة واستحضار الأفكار والتراكيب، بما يمنح النص اللاحق دلالات وإيحاءات إضافية مستمدة من علاقته بالنصوص التي سبقته.

 

وأكد أن بردة الإمام البوصيري وهمزيته تعدان من أبرز النماذج الشعرية التي امتدت آثارها الفنية والجمالية إلى نتاج المتصوفة النيجيريين في مجال المديح النبوي، سواء من خلال استلهام المضامين والصور الشعرية، أو عبر محاكاة بعض الأساليب والتراكيب، بما يعكس حضور النموذج البوصيري في الذاكرة الأدبية والصوفية النيجيرية.

 

وتناولت مداخلة الدكتور محمد غاني، إطار بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية و أستاذ زائر بالعديد من الجامعات الغربية، «الأثر التربوي للمدائح النبوية والامتداد الأفريقي»، مبرزةً أن المديح النبوي المغربي شكّل نظاماً تربوياً متكاملاً امتد عبر الصحراء إلى إفريقيا، وأسهم، برعاية إمارة المؤمنين وروافد التصوف السني، في ترسيخ الاعتدال وحماية وجدان الشباب والناشئة بالاقتداء بالنبي ﷺ.

 

كما أبرزت دور السماع المنضبط في التربية الجماعية وحفظ المتون، وتكامل البردة والهمزية والشفا وصحيح البخاري في تزكية النفس وضبط السلوك. وأسهم مفهوم الإذن والسند في تحويل المديح إلى ممارسة روحية وسلوكية.

 

واستوعب أعلام التصوف الأفريقي، مثل الشيخ الكنتي والشيخ أحمد الفوتي والشيخ أحمد بمبا، هذا الإرث وطوّروه، فربطوا المجاهدة بخدمة الخلق والعمران، مع الدعوة إلى توثيق المتون ورقمنة المخطوطات لمواجهة الغلو.

 

وتطرق الدكتور سيد أعمر الشيخ عابدين، مدير المركز الإفريقي للأبحاث والاستشارات بنواكشوط، موضوع “الإشعاع الديني والحضاري للتصوف في المغرب وبلاد شنقيط وإفريقيا جنوب الصحراء، المدرسة القادرية الكنتية نموذجا”، مبرزا الأدوار الدينية والحضارية للطريقة القادرية، واتخذ الطريقة البكائية الكنتية نموذجاً، ورصد إسهاماتها التربوية والعلمية والدعوية والإصلاحية والجهادية بالمغرب والصحراء والسودان.

 

كما بين انتشارها، وصلاتها بالسلاطين المغاربة، ودورها في التعليم وحفظ السلم وتنظيم التجارة، ومقاومة الاستعمار الفرنسي، وبناء شبكات صوفية عابرة للقبائل والمناطق.

 

وخلصت أشغال الجلسة إلى أن الامتداد الصوفي المغربي في إفريقيا لم يكن مجرد انتقال للطرق والزوايا، بل كان امتدادًا معرفيًا وأدبيًا وتربويًا وروحيًا وحضاريًا متكاملًا، حملته الكتب والمتون والمدائح والأشعار، واحتضنته مؤسسات التعليم والتربية، وأسهم في بناء ذاكرة روحية وثقافية مشتركة، وتعزيز محبة النبي ﷺ، وترسيخ جسور التواصل الحضاري بين المغرب وبلدان إفريقيا.

 

واختُتمت الجلسة بحصة من المديح والسماع أحيتها المجموعة الرسمية للطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، فأبدعت في أداء مختارات من المديح والسماع، حتى غدا صوتها إسماعًا للأرواح قبل الآذان، وتعبيرًا وجدانيًا عن المعاني الروحية التي حملتها أشغال الجلسة، وسط تفاعل الحاضرين وانسجامهم مع أجواء الذكر والمحبة النبوية.

 

وتستمر فعاليات «مجالس الأنوار» إلى غاية 25 غشت، بمشاركة علماء وباحثين ومريدين من المغرب وعدد من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية، ضمن برنامج يجمع بين المجالس الروحية والندوات العلمية، ويسلط الضوء على الامتداد التاريخي والثقافي والروحي للتصوف المغربي في القارة الإفريقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى