د. رغدة موسى تكتب : الرعاية الصحية في عصر الرقمنة

الرقمنة و التكنولوجيا الحديثة لم تعد خيارًا في الرعاية الصحية؛ بل أصبحت المُحرك الرئيسي لتحسين جودة الحياة و رفع كفاءة المنظومة الصحية و تسريع النمو الإقتصادي عبر ربط المرضى٬ مُقدمي الخدمة٬ شركاء القطاع الصحي و أصحاب المصالح المعنية بمنظومة أكثر ذكاءً و سرعة و استدامة.
تؤكد الأبحاث العلمية على أن إدخال و استخدام التكنولوجيات العميقة أو ما يعرف بـالـ (Deep – tech) بما في ذلك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (AI)، الحوسبة و الحوسبة الكمية (Computing and Quantum Computing) و التكنولوجيا الحيوية (Biotech) و الروبوتات (Robotics) و غيرها من التكنولوجيات الحديثة؛ يؤدي ليس فقط إلى تحسين جودة الخدمات و مستوى الحياة الصحية، و إنما أيضًا إلى تقليل و إصلاح بل يصل الأمر إلى منع الأخطاء الطبية و الدوائية بنسب تقارب ال ٨٥٪.
ما يسهم في إحداث نقلة نوعية في مجال الرعاية الصحية بمختلف قطاعته بالإضافة إلى زيادة حجم الاستثمارات المحلية و الأجنبية و فتح أسواق جديدة و متنوعة و خلق فرص تنافسية و تكاملية ما بين القطاعين العام و الخاص إلي جانب زيادة فرص الشركات الناشئة في السوق المصري و كذا فتح قنوات تواصل و أسواق جديدة عابرة للقارات.
و الشاهد في السنوات القليلة الماضية أن مصر إلى جانب التحول الرقمي الكبير الذي تحقق فيها كان و لا زال هناك توسع كبير في سوق الرقمنة الصحية لا سيما القطاع الخاص و الشركات الناشئة. و من الملاحظ زيادة حجم الاستثمارات في القطاع الصحي التكنولوجي بشكل كبير خاصة في الفترة ما بعد كورونا منذ ٢٠١٩ و حتى العام؛ و هي نتيجة متوقعة لفترة ما بعد الوباء. حيث شهدت هذه الفترة تنوع كبير في أنواع التطبيقات و بالأخص في مجالات الصحة النفسية، السجلات الطبية الإلكترونية؛ أنظمة التوزيع الإلكتروني و الصيدليات الرقمية٬ الذكاء الاصطناعي و تطبيقات المساعدة في التشخيص و غيرها.
و بالحديث عن حجم الاستثمارات فمنذ عام ٢٠١٩ شهد قطاع الرعاية الصحية التكنولوجية و الصحة الإلكترونية نموًا كبيرًا يُقدر بما يقرب من ١٠٪ من الاستثمارات النشطة في قطاع الشركات الناشئة في مصر.
أما عن القيمة السوقية فيُقدر حجم السوق في منطقة الشرق الأوسط بحوالي ٩٩٠ مليون دولار في ٢٠١٩ حيث تلعب مصر دور المحرك الرئيسي في السوق للوصول إلى تقييم يصل إلى عدة مليارات بحلول عام ٢٠٣٠. حيث تحتل خدمات الحجز الإلكتروني و الاستشارات عن بعد أكبر نسبة من الاستثمارات حوالي ٢٤٪.
و مع كل تلك الإحصاءات التفاؤلية في عالم المال و الأعمال يُصبح أمامُنا التساؤل الأهم عن التحديات و العوائق التي تواجه هذا القطاع لا سيما التوسع و الاستثمارات. فنُلاحظ قلة التحول الرقمي الفعلي٬ حيث لا تزال السجلات الورقية هي المسيطرة في معظم المؤسسات الصحية العامة إلى جانب عدم وجود سجلات طبية موحدة للمرضى في كافة أنحاء الجمهورية حتى و إن كان هناك الكثير من الجهود في نظام التأمين الصحي الشامل الجاري تنفيذه و تطويره.
و بالحديث عن القطاع الخاص نجد عاملآ غاية في الأهمية ألا و هو التكاليف المرتفعة جدًا لتطوير تلك الأنظمة و الاستمرارية في تقديم خدمات عالية الجودة لزيادة النمو و التوسع و الأهم هو قلة و هروب الكفاءات من الأطقم الطبية التي لازالت تعمل في مصر.
و هو عامل يعتبر سلاح ذو حدين ما بين تحدي و فرصة لإضافة خدمات أكثر و أوسع في ذلك القطاع.
و يبقى التحدى الأهم هو الحاجة إلى التعاون المثمر ما بين كل تلك الخدمات لتحسين جودة الرعاية الصحية و الخدمات المقدمة.





