عبدالحليم قنديل يكتب : “ترامب” المبعثر فى متاهة إيران

فى الأيام الأخيرة ، بدت صورة إيران على قدر أكبر من التماسك الداخلى ، فى حين بدا الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” تائها مبعثرا ، وميالا إلى استعارة طرق التفاوض الإيرانية ، وطلب تعويضات لأمريكا وغيرها كما تطالب إيران بتعويضات عن دمار حروب أمريكا .
فى إيران ، بدت الصورة أفضل ، وعاكسة لتماسك السلطة والتفافها من حول ثقل ورمزية القائد الأعلى المتوارى “مجتبى خامنئى” ، فقد ظهر “مجتبى” لأول مرة فى شريط فيديو غير محدد الزمان ولا المكان ، والرئيس الإيرانى المنتخب “مسعود بزشكيان” الذى اشتكى قبلا من صعوبة اللقاء مع القائد الأعلى ، عاد وأعلن أنه التقاه فى اجتماع لأكثر من سبع ساعات ، وقال “بزشكيان” وهو طبيب فى الأصل ، أن الحالة الصحية والبدنية للقائد ” مجتبى ” ممتازة ، وبالتواقت مع الاجتماع المطول ، أصدر “مجتبى” حزمة قرارات رئيسية لإعادة تنظيم الوضع العسكرى والسياسى ، وتعيينات رسمية لكبار قادة “الباسيج” والحرس الثورى ورئاسة أركان القوات المسلحة ، سبقها اختيار مندوب القائد الأعلى فى “مجلس الأمن القومى” أمينا عاما ، وهو الجنرال “محسن رضائى” الذى قضى 16 عاما قائدا للحرس الثورى ، ويعد مؤسسه الأكثر أهمية ، وحل أخيرا محل سابقه “محمد باقر ذو القدر” ، وبوزن سياسى وعسكرى مختلف ، وفى مكانة تقارب حال “على لاريجانى” المغتال فى الحرب .
وكأن “مجتبى” أراد أن يقدم صورة جديدة لإدارته اللاحقة على إدارة والده الراحل الكبير “على خامنئى” ، وأن يؤكد اتصال الخبرة والتراكم ، فقد كان الجنرال “رضائى” مقربا من “خامنئى الأب” كما “لاريجانى” ، وموقع “رضائى” الجديد فى قيادة مجلس الأمن القومى ، يقدمه كعنصر مركزى وصانع قرار فى ميادين الحرب والتفاوض مع الأمريكيين ، وهو معدود فى إيران كواحد من آباء التيار الثورى المتشدد ، ورغم أن الرئيس الإيرانى الإصلاحى “بزشكيان” يعد بروتوكوليا رئيسا لمجلس الأمن القومى ، إلا أن الأمين العام المفوض من القائد الأعلى هو صاحب السلطة الحقيقية ، والمجلس الأعلى للأمن القومى فى الأصل ، إطار أوجده “خامنئى الأب” ، وجعله جامعا لكل السلطات والأجنحة العسكرية والسياسية والقضائية ، وهو الحكومة الأعلى بالقياس إلى حكومة الرئيس الإيرانى الأضعف وزنا فى بنية النظام ، الذى يعد المرشد أو القائد الأعلى ومندوبوه مركزه وعامود خيمته الرئيسى .
وفى الوقت الذى يتحدثون فيه عن مفاوضات إيرانية ـ أمريكية تجرى من وراء ستار ، وربما تظهر إلى العلن قريبا ، مع دعوة الوسيط “الباكستانى” لوزير الخارجية الإيرانية “عباس عراقجى” لزيارة “إسلام أباد” ، ومع حديث الوسيط “القطرى” عن تقدم تحرزه مفاوضات إيران مع “سلطنة عمان” ، التى تلعب هى الأخرى دور وساطة بين طهران وواشنطن ، ولا تبدو المفاوضات ـ أو تبادل الرسائل ـ مؤدية بالضروة إلى إحياء مذكرة التفاهم ، التى خرج عنها “ترامب” قولا وعملا ، وصار يتحدث فقط عن فتح “مضيق هرمز” باعتباره القضية الجوهرية ، فيما تبدو طهران ـ كالعادة ـ أقل تعجلا ، وتريد فيما يبدو ، أن تبنى مذكرة تفاهم كاملة من حول قضية “مضيق هرمز” وحدها ، والتهميش الفعلى لقضايا البرنامج النووى وغيره .
ومن يراقب التصريحات الإيرانية ، من قبل “عراقجى” وكبير المفاوضين “محمد باقر قاليباف” رئيس البرلمان الإيرانى ، ومعهما لائحة شروط مجلس الأمن القومى لفتح “مضيق هرمز” ، يرى أن إيران تريد التفرقة تدرجا بين اتفاقها مع “عمان” حول إدارة المضيق ، وبين فتح المضيق وإتاحة حرية الملاحة فيه ، وتكاد تعيد نص بنود “مذكرة التفاهم ” كشروط لازمة ، وأهمها فك الحصار البحرى الأمريكى عن الموانئ الإيرانية ، ووقف العقوبات الأمريكية على تصدير البترول الإيرانى ومشتقاته ، وفك تجميد أرصدة إيران ، وإلغاء كل العقوبات الأمريكية على إيران ، ووقف التهديدات ـ حتى اللفظية ـ ضد إيران ، ووقف الحروب الأمريكية “الإسرائيلية” على كافة الجبهات ، ودفع تعويضات كاملة عن الدمار الذى تسبب به القصف الجوى الأمريكى ، وفيما تبدو إدارة “ترامب” ظاهريا فى موقف الرفض لكل هذه الشروط ، فإنها تبدى استجابات ضمنية ذات مغزى ، بينها رفع وزارة الخزانة الأمريكية أخيرا لعقوبات على كيانات مرتبطة بالحرس الثورى .