مصر

قطار التعمير الثقافي في سيناء: صياغة الوعي وتعزيز الهوية ضمن رؤية بناء الإنسان

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

تجسيداً لرؤية الدولة المصرية الطموحة في بناء الإنسان وصناعة الوعي، تمضي وزارة الثقافة بخطى حثيثة نحو ترسيخ وجودها النوعي في شبه جزيرة سيناء، انطلاقاً من مكانتها كدائرة اهتمام استراتيجي في مشروع التنمية الشاملة. ولم تعد الأنشطة الثقافية في أرض الفيروز مجرد ترفيه، بل تحولت إلى استراتيجية قومية وقوة ناعمة تهدف إلى تجديد الدماء في عروق الانتماء الوطني، ومواجهة الأفكار المتطرفة، وإعادة تشكيل الشخصية المصرية بما يتواكب مع تحديات العصر.

ومنذ عام 2014، ومع بزوغ رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي لإعادة صياغة الإنسان المصري، اعتمدت وزارة الثقافة خطة متكاملة ركزت على محورين متوازيين: أولهما ثورة في البنية التحتية من خلال إنشاء وتطوير الصروح الثقافية، وثانيهما مد جسور الخدمات الإبداعية والفنية لتصل إلى أبعد التجمعات العمرانية والحدودية، إيماناً بأن الثقافة حق أصيل لكل مواطن على أرض مصر.

لقد تُرجمت هذه الاستراتيجية إلى طفرة استثمارية غير مسبوقة في محافظتي شمال وجنوب سيناء، تمثلت في افتتاح 9 مواقع ثقافية كبرى، بدأت بقصر ثقافة شرم الشيخ عام 2018، مراراً بقصر ثقافة العريش التاريخي عام 2021، وصولاً إلى تدشين المسرح الصيفي بالطور عام 2024 بتكلفة ناهزت 160 مليون جنيه. ولم تتوقف العجلة عند المراكز الكبرى، بل شملت بيوت الثقافة في “المساعيد، قاطية، ونخل” ومكتبات الأطفال في “نجيلة وضاحية السلام”، مما جعل سيناء بيئة خصبة وحاضنة للمبدعين في كل شبر منها.

ولم تكتفِ الوزارة بالمقرات الثابتة، بل نفذت مبادرة “قوافل الوديان” التي اخترقت عمق الصحراء لتصل بالمعرفة والفن إلى قرى وسط سيناء والمناطق النائية. هذه القوافل تحولت إلى منصات متحركة لاكتشاف المواهب، حيث قدمت منظومة متكاملة شملت عروضاً مسرحية وورشاً للحرف السيناوية التراثية ومعارض للكتاب، مؤكدة على دور الثقافة في تحسين جودة الحياة وبناء مجتمعات واعية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والفكرية بروح من التفاؤل والإبداع.

وفي سياق متصل، برز مشروع “أهل مصر” كأحد أهم ركائز التنمية الثقافية، حيث نجح في تنفيذ 87 ملتقى ثقافياً وأسبوعاً توعوياً استهدفت الأطفال والشباب والمرأة السيناوية منذ سبتمبر 2018 وحتى أبريل 2026. وبالتوازي مع ذلك، أعاد “المسرح المتنقل” الحيوية الفنية لمدينة العريش عبر عروض الموسيقى العربية والإنشاد الديني والندوات التثقيفية، مما رسخ مفهوم الثقافة كأداة فاعلة للتنمية المجتمعية والاستقرار، ووضع سيناء في قلب الخارطة الإبداعية للدولة.

إن ما تشهده سيناء اليوم من مشروعات قيد الافتتاح، مثل قصر ثقافة الشيخ زويد وبيت ثقافة بئر العبد وسينما العريش الصيفي، يؤكد أن “قطار التعمير الثقافي” لن يتوقف. إنها ملحمة وطنية تعكس تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الثقافي، حيث يتم الاستثمار في العقل والوجدان كرهان حقيقي على أن التنمية الثقافية هي الركيزة الأساسية التي لا تقل أهمية عن التعمير العمراني، لتبقى سيناء دائماً حصناً منيعاً بالوعي والفن والانتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى