الرئيسيةمقالات الرأي

ناجح النجار يكتب: أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض.. فأين الضمير الإنساني؟

بين مجاعة بدت تطفو وتفوح رائحتها على الأرض، وضمير إنساني غائب وعاجز، وفقر مدقع، وأمراض لا تذر كبيرًا أو صغيرًا، يقع سكان قطاع غزة محاصرين بين ثالوث شر لا يرحم، وعصابة مرتزقة باطشة لا تملك أي نوعًا من الإنسانية أو الرحمة.

لقد بلغت مدة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، نحو 1055 يومًا أي قرابة 3 سنوات متتاليات.

أين الضمير الإنساني؟

يقف هذا السؤال كصرخة أخلاقية مجردة أمام حجم المأساة التي تتجاوز كل حدود الوصف، حيث عندما يغيب الضمير الإنساني أو يتعطل عن الفعل، تتحول المبادئ والقوانين التي صاغها العالم لعقود إلى مجرد نصوص بلا روح لأن من أقرها هو نفسه من يدعم حرب الإبادة والقتل والحصار لأهالي غزة من أجل التهجير.

كما أن التمييز الصارخ في التعاطي مع المعاناة الإنسانية في غزة تتم بناءً على الجغرافيا أو السياسة والدليل استنكار الغرب لما يحدث في أوكرانيا، حيث تصبح حقوق الإنسان قابلة للتجزئة والانتقاء، لأن المشاهد المأساوية اليومية باتت تتحول إلى مجرد أرقام وأخبار عابرة في وسائل الإعلام، ما يؤدي إلى تبلد الحسّ العام الدولي، وتراجع التفاعل الإنساني الفطري، تلك التي غلبت الحسابات السياسية والتوازنات الدولية على الواجب الأخلاقي المتمثل في حماية المدنيين وإنقاذ حياتهم.

يعيش سكان قطاع غزة واقعًا إنسانيًا معقدًا يُوصف بالأشد قسوة في التاريخ الإنساني الحديث، حيث تجمعت عليهم أزمات متداخلة تشكل أركان هذا الثالوث المميت وهى:
الأمراض والحصار والقتل: أسهمت الممارسات والحصار في تراجع الخدمات الصحية وإغلاق العديد من المستشفيات والمراكز التخصصية، بالإضافة إلى نقص المياه الصالحة للشرب وتدهور البيئة والصرف الصحي، مما أدى إلى انتشار الأمراض المعوية والرئوية والجلدية وتدهور صحة أصحاب الأمراض المزمنة.

الجوع وسوء التغذية: أدى الإغلاق المستمر للمعابر ونقص السلع الأساسية إلى شح كبير في المواد الغذائية والطحين والبروتينات، ويعاني مئات الآلاف من نقص حاد في الأمن الغذائي، ما تسبب في انتشار حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن.

الفقر وانعدام القدرة الشرائية: تلاشت المصادر الدخل لغالبية العائلات نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية وفقدان الوظائف والنزوح المتكرر، ما جعل الحصول على الشراء المباشر للسلع القليلة المتوفرة أمرًا غير متاح لغالبية الأهالي.

تجسد غزة اليوم واحدة من أشد الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم الحديث، حيث يتجاوز الوضع حدود المعاناة اليومية التقليدية ليصل إلى استنزاف شامل لمقومات الحياة، حيث في قلب هذه البقعة المحاصرة، لا تواجه العائلات مجرد تحدٍ معيشي عابر، بل تعيش مواجهة يومية مع ثالوث مأساوي يربط الجوع بالفقر والمرض في حلقة مفرغة تشد الخناق على الجميع.

إن أهالي القطاع المُدَمَر يواجهون اليوم المسرح الأشد قسوة لمأساة بشرية مكتملة الأركان، حيث لا يواجه الأهالي مجرد ظروف قاهرة، بل يستشعرون الموت في كل يومٍ ولحظة ودقيقة عبر أشكال متعددة.

كما يتكاتف الجوع الممنهج مع فقر مدقع أجهز على كافة سبل العيش، ليتجرع المدنيون مرارة العجز أمام أبسط مقومات الحياة، ويكتمل المشهد بتفشي الأمراض وتآكل المنظومة الصحية، مما يحول كل مريض أو جريح إلى مشروع شهيد ينتظر دوره.

فوق كل ذلك، يأتي القتل الوحشي المباشر ليستهدف المدنيين في خيامهم ومراكز نزوحهم، بلا خطوط حمراء ولا ملاذ آمن، إن هذا التركيب الإجرامي بين الحصار والتجويع والقصف لا يهدف فقط إلى إنهاء الأرواح، بل إلى تدمير إرادة الاستمرار والتواجد.

لقد ساهمت جرائم الاحتلال في أن تتحول هذه الأزمة من مجرد كوارث معيشية إلى إبادة بطيئة تلتهم الحاضر والمستقبل أمام مرأى ومسمع العالم، حيث يقف المجتمع الغربي مدعي الديمقراطية صامتًا متفرجًا على انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية والقيم الأخلاقية التي تتغنى بها البشرية.
هذا الصمت الدولي والازدواجية في المعايير يسقطان آخر ما تبقى من شرعية المنظومة الحقوقية العالمية، لكن يبقى صمود أهالي غزة الأسطوري بين هذا الركام شاهًدً حيًا على قوة الإرادة في مواجهة أبشع صور الظلم.

الخلاصة.. ما يحدث في غزة ليست مجرد صفحة سوداء في تاريخ المنطقة والعالم أجمع، بل اختبار مفصلي لضمير الإنسانية التي ضعُفت أو ماتت على أبواب غزة، إما أن تفيق أو تسقط للأبد.. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

صحفي/ ناجح مصطفى النجار – باحث في الشأن السياسي والدولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى