مصر

إعلام الإخوان.. خطاب إعادة تدوير الأزمات وصناعة الإحباط

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

تواصل المنصات والقنوات التابعة لجماعة الإخوان توظيف القضايا المعيشية والأزمات اليومية التي تمس المواطن البسيط، ليس باعتبارها ملفات قابلة للنقاش أو التحليل الموضوعي، وإنما باعتبارها مادة جاهزة لإعادة التدوير الدعائي داخل منظومة إعلامية تقوم على استثمار الألم الإنساني وتوجيهه لخدمة أهداف سياسية محددة. فهذه المنصات لا تتعامل مع الواقع كما هو، بل تعيد صياغته بصورة انتقائية ومبالغ فيها، بحيث تتحول أي أزمة جزئية إلى مشهد انهيار شامل، وأي تحدٍ اقتصادي أو اجتماعي إلى دليل على سقوط كامل للدولة، في محاولة دائمة لترسيخ الإحباط وتقويض الثقة في مؤسسات المجتمع.

ورغم اختلاف الملفات التي تتناولها تلك القنوات، سواء كانت اقتصادية أو خدمية أو اجتماعية، فإن المتابع يكتشف بسهولة أن الخطاب الإعلامي المستخدم يكاد يكون متطابقًا في كل القضايا. نفس المفردات، ونفس أسلوب الطرح، ونفس الإيقاع الانفعالي، وكأن هناك “اسكريبت” موحدًا يتم تدويره بصورة متكررة مع تغيير عنوان الأزمة فقط، بينما تبقى الرسالة الأساسية ثابتة، وهي تصوير الواقع باعتباره في حالة انهيار دائم ومستمر.

ويعتمد هذا الخطاب على ثلاث آليات رئيسية تتكرر في كل الملفات؛ تبدأ بتضخيم الأزمة بشكل مبالغ فيه، ثم نزعها من سياقها الطبيعي، وأخيرًا تعميم صورة الانهيار الكامل على مختلف الأوضاع، بما يخلق لدى المتلقي انطباعًا نفسيًا بأن كل شيء يسير نحو الأسوأ بلا استثناء. وهي آلية لا تستهدف الفهم أو التفسير بقدر ما تسعى إلى التأثير النفسي وصناعة شعور دائم بالعجز والإحباط.

كما تعتمد هذه المنصات على لغة انفعالية موحدة تتكرر بشكل لافت، من خلال استخدام تعبيرات مثل “الانهيار”، و”الغلاء القاتل”، و”التدهور الشامل”، و”غياب الحلول”، وهي مفردات تُستخدم بصورة آلية في مختلف الملفات دون تمييز بين قضية وأخرى، بما يكشف أن الهدف الحقيقي ليس توصيف الواقع بقدر ما هو فرض حالة ذهنية سلبية على المتلقي.

ولا يقتصر الأمر على نقل المعاناة أو تسليط الضوء على الأزمات، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الواقع بصورة مشوهة، تدفع المواطن إلى النظر إلى الأزمات باعتبارها الحالة الطبيعية الوحيدة، مع تجاهل أي جوانب أخرى أو أي محاولات للحلول والمعالجة. وهنا يصبح الألم الإنساني وسيلة لإضعاف الثقة المجتمعية، وليس أداة لطرح حلول أو تقديم رؤية متوازنة.

وفي هذا السياق، تناول الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، طبيعة هذا الخطاب في كتابه “الإخوان.. إعلام ما بعد السقوط”، حيث وصف أداء إعلام الجماعة بأنه يجمع بين حالتي “عواجيز الفرح” و”حريم الجنايز”، وهما مصطلحان دارجان في الثقافة الشعبية المصرية يعبران عن حالة دائمة من التربص والنقد السلبي لكل ما يحدث، سواء كان فرحًا أو حزنًا.

وأوضح رشوان أن “عواجيز الفرح” يرمز إلى أولئك الذين لا يرون في أي مناسبة سعيدة سوى مساحة للهجوم والنقد والتقليل من كل شيء، بينما يشير “حريم الجنايز” إلى افتعال الحزن والمبالغة فيه، مع الاستمرار في إطلاق الأحكام السلبية والتشكيك في الجميع. ويرى أن هذا الوصف يعكس بدقة طبيعة خطاب إعلام الإخوان، القائم على البحث الدائم عن السلبيات وتضخيمها، بل واختلاق بعضها أحيانًا، بهدف نشر حالة من التشاؤم والعداء تجاه كل ما يحيط بالمجتمع.

ويؤكد هذا النمط الإعلامي أن جماعة الإخوان لا تتعامل مع الأزمات باعتبارها قضايا تحتاج إلى نقاش أو حلول، وإنما باعتبارها أدوات لإعادة إنتاج خطاب الكراهية والإحباط، عبر التركيز المستمر على السلبيات وتقديم صورة قاتمة ومجتزأة للواقع، في محاولة مستمرة للتأثير على الوعي العام وزعزعة الثقة داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى