الدكتور عادل عامر يكتب: الشفافية أولاً: قراءة قانونية في قانون تداول المعلومات
“لم تعد الشفافية ترفًا إداريًا أو شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات الرسمية، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية للدولة الحديثة، وشرطًا جوهريًا لتحقيق الحكم الرشيد، ومكافحة الفساد، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمعلومة في العصر الحديث لم تعد مجرد وسيلة للمعرفة، وإنما أصبحت حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، وأداة للرقابة المجتمعية، وضمانة لتحقيق العدالة والمساءلة.
ومن هنا برزت أهمية قوانين تداول المعلومات باعتبارها الإطار القانوني الذي ينظم حق الأفراد في الوصول إلى البيانات والوثائق والمعلومات الموجودة لدى الجهات العامة، مع الموازنة بين مقتضيات الشفافية ومتطلبات الأمن القومي والخصوصية.
مفهوم الشفافية وعلاقته بتداول المعلومات
الشفافية تعني وضوح الإجراءات والقرارات والسياسات، وإتاحة المعلومات المتعلقة بإدارة الشأن العام بصورة تمكّن المواطنين من المعرفة والمتابعة والمساءلة. وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحرية تداول المعلومات، لأن الشفافية لا يمكن أن تتحقق في ظل احتكار المعرفة أو حجب البيانات.
فكلما اتسعت دائرة إتاحة المعلومات، زادت قدرة المجتمع على الرقابة، وانخفضت فرص الفساد وسوء استخدام السلطة. ولهذا تُعد قوانين تداول المعلومات من أهم أدوات الإصلاح الإداري والسياسي والاقتصادي.
الأساس الدستوري للحق في تداول المعلومات
أقرت الدساتير الحديثة الحق في المعرفة باعتباره حقًا دستوريًا، ومن بينها الدستور المصري الذي نص في المادة (68) على أن:
“المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن…”
ويُعد هذا النص نقلة دستورية مهمة، إذ اعتبر المعلومات ملكًا للشعب وليس حكرًا على الإدارة، كما ألزم الدولة بإتاحتها وتنظيم قواعد الحصول عليها.
كما أوجب الدستور على مؤسسات الدولة الإفصاح عن المعلومات بشفافية، مع تجريم حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا، لما يشكله ذلك من اعتداء على حق المجتمع في المعرفة.
أهداف قانون تداول المعلومات
يهدف قانون تداول المعلومات إلى تحقيق عدة غايات رئيسية، من أهمها:
تعزيز الشفافية والنزاهة داخل مؤسسات الدولة.
مكافحة الفساد الإداري والمالي من خلال كشف الممارسات غير المشروعة.
تمكين المواطنين ووسائل الإعلام والباحثين من الوصول إلى المعلومات.
دعم المشاركة المجتمعية في صنع القرار.
رفع كفاءة الإدارة العامة عبر الرقابة والمتابعة.
تعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
نطاق تطبيق القانون
يمتد تطبيق قوانين تداول المعلومات عادة إلى:
الوزارات والمصالح الحكومية. الهيئات العامة.
وحدات الإدارة المحلية.
الشركات المملوكة للدولة.
الجهات الخاصة التي تدير مرافق عامة أو تحصل على أموال عامة.
وهذا التوسع يعكس أن المال العام والمرفق العام يقتضيان الخضوع لمبدأ الشفافية، مهما كانت الطبيعة القانونية للجهة القائمة عليهما.
الالتزامات القانونية للجهات الخاضعة للقانون
يفرض قانون تداول المعلومات على الجهات الإدارية عدة التزامات، أبرزها:
أولًا: النشر الاستباقي للمعلومات
أي قيام الجهة بنشر المعلومات الأساسية دون انتظار طلب من الأفراد، مثل:
الموازنات.
القرارات الإدارية.
اللوائح.
تقارير الأداء.
العقود والمناقصات.
ثانيًا: تمكين الأفراد من الحصول على المعلومات
من خلال:
وضع آليات واضحة لتقديم الطلبات.
تحديد مدد زمنية للرد.
تسبيب قرار الرفض إن وجد.
ثالثًا: حفظ وأرشفة المعلومات
حتى لا تتحول فوضى السجلات إلى وسيلة غير مباشرة لحجب المعلومات.
القيود والاستثناءات على الحق في تداول المعلومات
رغم أهمية الشفافية، فإن الحق في تداول المعلومات ليس حقًا مطلقًا، بل ترد عليه قيود تفرضها اعتبارات مشروعة، أهمها:
1. حماية الأمن القومي
ويشمل:
المعلومات العسكرية.
الخطط الدفاعية.
البيانات المتعلقة بالأمن الداخلي والخارجي.
2. حماية الخصوصية
فلا يجوز تداول المعلومات التي تمس الحياة الخاصة للأفراد أو أسرارهم الشخصية دون سند قانوني.
3. سرية التحقيقات والإجراءات القضائية
حفاظًا على العدالة ومنع التأثير على سير التحقيق.
4. الأسرار التجارية والاقتصادية
لحماية المنافسة والاستثمارات المشروعة.
غير أن هذه القيود يجب ألا تتحول إلى ذريعة للتوسع في السرية، إذ الأصل هو الإتاحة والاستثناء هو الحجب.
الرقابة القضائية على حجب المعلومات
تُعد الرقابة القضائية الضمانة الحقيقية لتفعيل الحق في المعرفة، إذ يحق لطالب المعلومات الطعن على قرارات الرفض أمام القضاء.
كما أن الاتجاهات القضائية الحديثة تؤكد أن الإدارة ليست مالكة للمعلومة وإنما حارسة عليها لصالح المجتمع، وبالتالي فإن امتناعها عن تقديم المعلومات يجب أن يكون مسببًا وقائمًا على سند قانوني واضح.
وقد اتجهت بعض التشريعات إلى إسناد الفصل في النزاعات المتعلقة بالإفصاح إلى جهات قضائية عليا أو هيئات مستقلة لضمان الحياد والتوازن بين الشفافية والأمن القومي.
الشفافية ومكافحة الفساد
ترتبط الشفافية ارتباطًا مباشرًا بمواجهة الفساد؛ فكلما زادت السرية، اتسعت فرص إساءة استخدام السلطة. ولذلك تعتمد المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، على مبدأ إتاحة المعلومات كوسيلة رئيسية لمكافحة الفساد.
فالرقابة الشعبية والصحفية لا يمكن أن تمارس دورها الحقيقي دون الوصول إلى المعلومات والوثائق الرسمية.
التحديات العملية أمام تطبيق قانون تداول المعلومات
رغم أهمية القانون، فإن التطبيق العملي يواجه عدة تحديات، منها:
الثقافة الإدارية القائمة على السرية.
غياب الأرشفة الرقمية الحديثة.
بطء الإجراءات.
التوسع في تصنيف المعلومات باعتبارها “سرية”.
ضعف الوعي المجتمعي بالحق في المعرفة.
ولهذا فإن نجاح القانون لا يتوقف على صدوره فقط، بل يتطلب إرادة سياسية وإدارية حقيقية لتكريس مبدأ الشفافية.
خاتمة
إن قانون تداول المعلومات يمثل حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، لأنه ينقل العلاقة بين المواطن والدولة من دائرة الغموض إلى دائرة المكاشفة والمساءلة.
فالشفافية ليست خطرًا على الدولة، بل هي إحدى أدوات قوتها واستقرارها، لأن الدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى إتاحة المعلومات، وإنما تخشى غيابها.
ومن ثم، فإن إقرار وتفعيل قانون عصري لتداول المعلومات يُعد خطوة جوهرية نحو ترسيخ الديمقراطية، وحماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية القائمة على المعرفة والمساءلة.
كما تلتزم السلطة التنفيذية وكافة الجهات العامة والجهات الخاصة التي تحصل على مال عام، بنشر وإتاحة ما لديها من معلومات وسجلات ووثائق للجمهور، وتمكين المواطنين من التمتع بهذا الحق. وإذا رأى حائز المعلومات أن إتاحتها أو بعضَها يضر بمصالح الدولة العليا، تعيّن عليه اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا بطلب السماح له بعدم نشرها أو الكشف عنها،
وذلك خلال ستين يومًا من تاريخ تقديم الطلب. وللمحكمة أن تقرر نشرها أو منع نشرها لمدة محددة، ويكون حكم المحكمة نافذًا في مواجهة الكافة.
ولا يجوز نشر أو الحصول على المعلومات التي تؤدي إلى الإضرار بحدود الدولة أو كيانها أو وحدة ترابها، أو تعريضها لخطر الحرب، أو إضعاف قدرتها على المواجهة، أو انتهاك الحق في الخصوصية. وينظم القانون طرق وإجراءات ذلك.”





