الجبهة الخامسة: الفضاء الإلكتروني كساحة للمواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران

كتبت:إيمان خالد خفاجي
في ظل التصعيد العسكري المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد ميادين القتال تقتصر على الحدود البرية أو المياه الإقليمية؛ بل تمددت رقعة الصراع لتشمل “الفضاء الإلكتروني” كجبهة موازية لا تقل خطورة عن العمليات التقليدية. ومع تسارع وتيرة الحرب الحديثة، برزت الهجمات الرقمية كسلاح استراتيجي فتاك، قادر على تقويض الاقتصادات وإحداث دمار واسع النطاق دون الحاجة إلى تحريك جندي واحد أو إطلاق رصاصة، مما جعل البنية التحتية الرقمية في قلب الصراع الجيوسياسي.
وقد تجلت هذه المواجهة بوضوح في الثاني عشر من مارس 2026، حينما كشفت نشرة اتحاد شركات التأمين المصرية عن تصعيد نوعي تمثل في هجوم إلكتروني استهدف شركة التكنولوجيا الطبية الأمريكية العملاقة “سترايكر” (Stryker). وقد استهدف الهجوم البيئة الرقمية المعتمدة على خدمات “مايكروسوفت” داخل الشركة، مما أسفر عن تعطل واسع في الشبكات ومسح لبيانات حيوية باستخدام أدوات إدارة الأنظمة. وتشير تقارير الخبراء إلى أن مجموعة “Handala” المرتبطة بإيران هي العقل المدبر وراء هذه العملية، وهو ما يعزز فرضية اتساع نطاق المواجهة لتشمل القطاعات التكنولوجية الحيوية كجزء من نمط متصاعد من الهجمات ذات الدوافع السياسية.
هذا التحول في مسار الصراع دفع الحكومات إلى إعادة تقييم البنية التحتية الرقمية — من مراكز بيانات وحوسبة سحابية واتصالات فضائية — ليس فقط كأصول تقنية، بل كعناصر سيادية تخضع لمنطق الربح والخسارة والمنافسة الاستراتيجية. فالمخاوف المتعلقة بسيادة البيانات، والسباق نحو ريادة الذكاء الاصطناعي، والرغبة في السيطرة على أنظمة المدفوعات والخدمات اللوجستية، أصبحت تفرض تعقيدات سياسية وأمنية كبرى على هذا القطاع، مما جعل الأمن الإلكتروني ركيزة أساسية للأمن القومي واستمرارية الأعمال.
ولمواجهة هذه الأخطار المتنامية، يتجه العالم نحو تبني إجراءات احترازية صارمة، تبدأ بتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية وتشفير البيانات الحساسة، وصولاً إلى إجراء اختبارات اختراق دورية لمحاكاة الهجمات وتأمين سلاسل الإمداد الرقمية. وتبرز هنا ضرورة مراجعة وثائق التأمين الإلكتروني، إذ لم تعد الوثائق التقليدية — التي غالباً ما تستثني أعمال الحرب — كافية لتغطية الهجمات المدعومة من الدول، مما يفتح الباب أمام جيل جديد من المنتجات التأمينية التي تملأ هذه الفجوة الحرجة.
ختاماً، من المتوقع أن يشهد سوق التأمين الإلكتروني طفرة غير مسبوقة؛ حيث ستسعى القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والموانئ والمؤسسات المالية، فضلاً عن الشركات متعددة الجنسيات، إلى توسيع تغطياتها لتشمل سيناريوهات “الإرهاب الإلكتروني”. وحتى الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي كانت تظن نفسها بمنأى عن الصراع، ستجد نفسها مدفوعة نحو حلول تأمينية مبسطة للحماية من برامج الفدية وانقطاع الأعمال، في حين ستضطر شركات التأمين لتطوير منتجات مبتكرة تغطي “المناطق الرمادية” في الهجمات السيبرانية العابرة للحدود.




