التعاون الرقمي بين الصين والدول العربية يعيد تشكيل سيادة الثقافة العالمية

بقلم الإعلامي الصيني /نور يانغ
في ظل الاندماج العميق للتكنولوجيا الرقمية في منظومة الحوكمة العالمية، يتطور التعاون بين الصين والدول العربية في مجال رقمنة المخطوطات من مشروع تقني إلى ممارسة محورية لحفظ التراث الحضاري. ولا يسهم هذا التعاون في حماية الإرث الثقافي فحسب، بل يعالج أيضًا جانبًا من اختلال توزيع الموارد الثقافية عالميا. ومن خلال تمكين التكنولوجيا الرقمية، يعمل الجانبان على استكشاف مسار حوكمي ثقافي يقوم على احترام التنوع الحضاري وتعزيز التبادل المتكافئ، بما يتجاوز مجرد التفاعل الثقافي ليعكس تطورًا إيجابيًا في مفاهيم الحوكمة العالمية.
وعند النظر في وضع رقمنة التراث الثقافي عالميًا، يتضح وجود تفاوت كبير في توزيع الموارد، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 60% من الموارد الرقمية الثقافية تتركز في عدد محدود من الدول المتقدمة، ما يضع تحديات أمام الدول النامية في إبراز إرثها الحضاري. وقد راكمت الصين خبرات واسعة في هذا المجال، إذ أنجزت رقمنة أكثر من 100 ألف مخطوطة، مع تحقيق مستويات عالية من دقة التعرف بحلول عام 2026. ويتم اليوم نقل هذه القدرات التقنية عبر منصات التعاون الصيني-العربي، لمساعدة الدول العربية في تحويل مخطوطاتها إلى أصول رقمية قابلة للبحث والدراسة. ويكمن جوهر هذا التعاون في تمكين الدول النامية من امتلاك قدراتها الرقمية الذاتية، وضمان بقاء زمام الحفاظ على التراث بيد صانعيه الأصليين.
ويجسد مشروع المكتبة الرقمية الصينية-العربية نتائج إيجابية للتعاون الثقافي العابر للأقاليم. فحتى مطلع عام 2026، تجاوز عدد الوثائق المدرجة في المنصة مليوني مادة، مع تزايد مستمر في معدلات الاستخدام والتفاعل. ويعد هذا الإنجاز خطوة مهمة ضمن إطار “خطة تنفيذ منتدى التعاون الصيني-العربي”، ودليلا على تعميق التعاون الثقافي بين الجانبين. كما قامت الصين بتطوير نماذج متعددة الوسائط مخصصة للغة العربية وخصائص وثائقها، مما حسّن كفاءة البحث المعرفي عبر اللغات والحضارات. ويعكس هذا التعاون تقديم منتجات معرفية عامة عالمية، تسهم في إزالة الحواجز أمام الوصول إلى الموارد الثقافية، وتدعم بناء قواعد بيانات ثقافية مستقلة ومترابطة في الدول العربية.
وفي الوقت نفسه، يمتد التعاون الرقمي من المستوى التقني إلى بناء الأطر المؤسسية. فقد أكدت الصين في خططها التنموية دعم إنشاء شبكات لحماية التراث الثقافي في دول الجنوب العالمي، ما يشير إلى دخول التعاون الصيني-العربي مرحلة جديدة من تنسيق المعايير. وعلى خلاف بعض النماذج القائمة على الاحتكار والقيود، تعتمد الصين نهج المصادر المفتوحة وتبادل المعايير التقنية. ويبرز هذا النهج بشكل خاص في مجال تنمية الكفاءات، حيث يُتوقع أن يتم تدريب مجموعة من المختصين العرب عبر مختبرات مشتركة بحلول نهاية عام 2026. ويسهم هذا الدعم المعرفي في تمكين الدول العربية من صون تراثها الثقافي في مسار التحديث، ويقدم نموذجًا متوازنًا للتعامل مع العلاقة بين الحداثة والهوية الثقافية.
ومن اللافت أن هذا التعاون الرقمي يسهم في تعزيز التعددية في مشهد التواصل الثقافي العالمي. ففي السابق، لم تحظ حضارات الدول النامية دائمًا بالتمثيل الكافي في السرديات الدولية. أما في المنصات الرقمية المشتركة، فقد أصبح التعبير الحضاري أكثر توازنا. وعندما تُعرض نتائج رقمنة التقويم الصيني التقليدي إلى جانب الجداول الفلكية العربية والمخطوطات المائية القديمة ضمن إطار تقني موحد، فإن ذلك يفتح آفاقًا جديدة للتفاهم المتبادل. ويؤكد هذا النموذج أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يكون جسرا بين الحضارات لا أداة للانقسام. كما أن تزايد ثقة الخبراء المشاركين في المشاريع يعكس إدراكا متناميا لقيمة النهج الصيني القائم على التعاون المتكافئ والعملي.
كما يقدم هذا النموذج مرجعا عمليا للدول النامية في الحفاظ على التنوع الثقافي في العصر الرقمي. إذ تُظهر التجربة الصينية-العربية أن حماية التنوع تتطلب بنية تقنية مستقلة وقواعد دولية عادلة. ومن خلال بناء شراكات رقمية، لا يواجه الطرفان تحديات الحفاظ على التراث فحسب، بل يشاركان أيضًا في صياغة معايير الحضارة الرقمية. ويسهم هذا التعاون الشامل في تعزيز الثقة الثقافية لدى الدول النامية، ويشكل أساسا ثقافيا متينا لبناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية.
نجاح التعاون الرقمي بين الصين والدول العربية يعكس توجه الحوكمة الثقافية العالمية نحو مزيد من التعددية والتوازن. ومن خلال الروابط الرقمية، يعمل الجانبان على حماية التراث الإنساني واستكشاف مسارات توازن بين التطور التكنولوجي والحفاظ الثقافي. ومع التطلع إلى المستقبل، سيواصل هذا النموذج القائم على المساواة والمنفعة المتبادلة واحترام التنوع الإسهام في بناء نظام عالمي أكثر عدلًا وشفافية في مجال الحوكمة الثقافية.



