الدكتور عادل عامر يكتب: “إعلام موجه أم فوضى رقمية؟ قراءة في ظاهرة تخوين الدول العربية”
ظاهرة تخوين الدول العربية هي نتاج مُركب يجمع بين “الإعلام الموجه” الذي تتبناه آلات الدعاية الرسمية لتبرير الأزمات، و”الفوضى الرقمية” التي تغذيها خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي. أدت هذه الظاهرة إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد وتآكل الثقة المجتمعية بالخطاب الرسمي
كانت الحكومات تحتكر نقل المعلومات وتبرر سياساتها عبر احتكارها للإعلام الجماهيري بينما شكل الإعلام الإلكتروني كسرًا لهيمنة الحكومات من جهة على وسائل الإعلام ومن جهة أخرى كسر سيطرة نمط رأس المال على توجهات الوسائل الإعلامية والحد من احتكار وكالات الأخبار العالمية لصناعة الأخبار والمعلومات.
وجاءت تلك التغيرات لتصيب في النهاية أسس العلاقة بين الدولة والمجتمع ، ودفعت للبحث ضرورة تكيف الدولة مع الإعلام الإلكتروني ، وتعزيز التحول من الفوضى في الاستخدام إلى أطر تنظيمية تستطيع أن تحدد الحقوق والواجبات على مستوى المحتوى والمنصات والفاعلين.
ونتج عن ذلك تداخلات في كيفية التعامل مع الإعلام الإلكتروني وتنظيمه بما طرح العديد من الإشكاليات لعل أهمها أن عملية التنظيم ليست كاشفة بالضرورة عن موقف النظام السياسي من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل أصبحت هناك دول غربية ديمقراطية تمارس سياسات رقابية وتجسسية على مواطنيها بدعوى الأمن وحماية الحريات، وبخاصة أن إشكالية تنظيم الإعلام الإلكتروني أصبحت قضية دولية، وذلك يرجع إلى حداثة الظاهرة وإلى التطور السريع والمتلاحق والذي يتحرك بوتيرة أسرع من الأطر الناظمة له سواء أكانت قانونية أو أمنية.
وإلى جانب ذلك ضخامة عدد الفاعلين بما يصعب من القدرة على السيطرة والتحكم وإلى تميز الإعلام الإلكتروني ببعده العابر للحدود على النحو الذي يشكل تحديًا للنظم القانونية المحلية، ودفعت ذلك إلى إمكانية أن تكون للدولة دور في ضبط التفاعلات استنادًا على ما لديها من قدرات تكنولوجية خاصة إلا أن تلك القدرات تتفاوت الدول فيها وفق درجة تقدمها التكنولوجي، ومن جهة أخرى دفعت حالة الانفتاح العام عبر الإعلام الإلكتروني إلى فتح قنوات التأثير والتأثر ما بين الداخل والخارج.
وأدت عملية تغول الشركات التكنولوجية وخاصة العاملة في مجال الشبكات الاجتماعية وعدم رضوخها للمطالب الوطنية إلى ردة فعل مضادة من قبل الدول في محاولة للحافظ على وجودها أو البحث عن توفيق أوضاعها بما يتلاءم مع ما تراه من المصلحة الوطنية لديها.
والتي وجدت في ذلك التطور تهديدًا لنظامها السياسي واستقرارها وهو ما أنتج رده فعل حمائية من قبل الدولة بمحاولتها تبني طرق مختلفة للتقنين أو السيطرة إما عبر امتلاك تطبيقات تكنولوجية للرقابة والتجسس لمواجهة الأخطار الأمنية أو عبر استيرادها من الخارج.
وبرز اتجاه أول، يرى أن الإعلام الإلكتروني قابل للتقنين كغيره من الابتكارات السابقة كالراديو أو التلفزيون أو البث الفضائي ومن ثم يمكن تطبيق قوانين المطبوعات مثلًا على الإعلام الإلكتروني، واتجاه ثانٍ آخر يرى أن ظاهرة الإعلام الإلكتروني وتطبيقاتها غير مسبوقة في فرصها وتحدياتها بما يجعل عملية إخضاعها للتقنين عملية معقدة عن سابقيها.
واتجاه ثالث يرى أن طبيعة الإعلام الإلكتروني تفرض ضرورة التنظيم الشامل والمتجاوز لدور الدولة التقليدي إلى دور فاعلين آخرين داخل المجتمع أو حتى خارج الدولة، وأن اتجاه الدول للتنظيم ما هو إلا خطوه في سبيل التنظيم
وعلى مستوى التطبيق ساد توجهين في تنظيم الصحافة الإلكترونية ، الأول وهو الأكثر انتشارًا القاضي بإدراجها من حيث التقنين والضبط وفق طريقة التعامل مع الصحافة التقليدية، والثاني وهو تجاه الأقلية عبر اتجاه الدول بإفراد لتلك الصحافة الإلكترونية قانونًا خاصا بها يتواكب مع تميزها واختلافها وتحدياتها الجديدة.
وتبقي حقيقة أن عملية التشريع في حقل الإعلام الإلكتروني من جانب الدولة يجب أن يركز على فكرة التنظيم وليس السيطرة، وبخاصة أن الدولة لم تعد الفاعل الرئيسي، وهو ما يتطلب ألا يتم الإسراف في العقوبات لأن قوة العقوبة تتطلب قوة التنفيذ، وبخاصة أن القانون المحلي لا يتجاوز حدود الدولة، وهو لا ينطبق مع آلية عمل المواقع والتطبيقات الإلكترونية. ولكن تبقي هناك فرص لقيام الدولة بتنظيم الإعلام الإلكتروني عبر، أولًا ، العمل على تحديث أجهزة الدولة بشكل يجعلها تتعاطى مع المجال السيبراني عبر الوجود المباشر للوزارات والهيئات الحكومية عبر الإنترنت وعبر شبكات التواصل الاجتماعي.
إن ظاهرة التخوين ليست مجرد فوضى عابرة، بل هي سلاح يُستخدم طوعاً وقسراً لتشكيل الرأي العام وصرف انتباه المواطن العربي عن مشكلاته الحقيقية، مما يفرض على النخب والمثقفين العرب ضرورة بناء خطاب عقلاني مضاد لتعزيز الوعي النقدي
بناءً على هذه الديناميكية، لم يعد “إعلاميو السلطة” بحاجة لارتداء قناع الحياد؛ بل أصبحوا يجاهرون بالانحياز الفج كمصدر للشرعية الرقمية والشعبية داخل “الظهير المؤيد”؛ فالجمهور هنا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن “رواية جاهزة ومريحة نفسياً” تعفيه من مشقة التفكير والمساءلة، لكن هذه “الهندسة النفسية” واجهت سقفاً صلباً لا يمكن تجاوزه، وهو حدود القدرة البشرية على تحمل مفارقات الواقع. لقد أدى الإفراط الهستيري في التبرير، والاعتماد المطلق على فزاعات التخوين والشيطنة، إلى ارتداد عكسي تمثل في تآكل كامل وجذري للمصداقية.
ومع تعاظم الفجوة بين الأطروحة الرسمية والواقع المأزوم في الشارع، تحول الانبهار الأولي إلى عزوف جماعي صامت؛ فهجرت الأغلبية الصامتة الصحف القومية والفضائيات المحتكرة، وتراجعت معدلات المشاهدة والانتشار إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المستقل والبديل هي الملاذ الحقيقي لالتماس المعلومة.
وتتجلى ذروة هذا الفشل البنيوي في “المناورة الأخيرة” التي باتت تلجأ إليها السلطة وأصواتها الرسمية؛ حيث أصبحت الدوائر الحاكمة تتحدث علناً وبكثافة عن “أزمة الإعلام الفضائي” و”الحاجة الملحة لتطوير الخطاب الإعلامي ورفع مهنيته” هذه الاستدارة الرسمية ليست رغبة في الإصلاح، بل هي محاولة بائسة لامتصاص الغضب الشعبي، وإيحاء مناور بأن السلطة تشارك الشعب امتعاضه من رداءة المنتج الإعلامي، في محاولة للتنصل من مسؤوليتها المباشرة عن هندسة هذه الآلة، وتغذيتها اليومية بالبيانات الموجهة والتبريرات المكررة للانسداد السياسي والاقتصادي.
إن ظاهرة “إعلاميي السلطة” في مصر لا تمثل مجرد أزمة مهنية عابرة، بل هي انعكاس بنيوي لنموذج سياسي يرى في الإعلام أداة مكملة لأجهزة الدولة وصراعها الوجودي لتوجيه الوعي العام.
ومع ذلك، فإن إصرار السلطة على احتكار الرواية عبر آلية “الصوت الموحد” وتبرير السياسات بأي ثمن —حتى لو أدى ذلك لتجريف التعددية والمهنية— بات يصطدم بجدار الرفض الشعبي الصامت، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى استمرارية هذا النموذج؛ فإلى أي مدى يمكن لإعلام قائم بالأساس على التعبئة والتوجيه المعنوي أن يحافظ على فاعليته في عصر “سيولة المعلومات”، حيث تلاشت قُدرة النظم المركزية على فرض الحظر أو احتكار الحقيقة؟
في المحصلة؛ كشف المشهد الإعلامي المصري بعد عام 2013 عن أضخم عملية “تأميم وهيكلة” في تاريخ الصحافة العربية، حيث تضافرت التشريعات الإدارية المقيدة مع عمليات الاستحواذ المالي والأمني القسري لإنتاج بنية احتكارية تدار من غرفة مركزية واحدة.
ورغم نجاح هذه المنظومة مؤقتاً في توظيف “سيكولوجية الخوف” وتعبئة الجماهير خلف شعارات الاستقرار، إلا أن هذا النجاح تحول إلى عبء سياسي واقتصادي بمجرد اصطدامه بالواقع المعيشي المأزوم للمواطن.
إن الفشل الراهن لإعلاميي السلطة، والعزوف الشعبي عن الشاشات والصحف الرسمية لصالح المنصات الرقمية البديلة، يثبت أن “هندسة الصمت” لها تاريخ صلاحية ينتهي حتماً عندما تعجز البروباغندا (الدعاية الموجهة) عن سد فجوة الجوع أو الإجابة على هموم الشارع الحقيقية.




