عبد الله الثقافي البلنوري الهندي يكتب : من عرف قدر المصطفى ﷺ، واستشعر عظيم مكانته، امتلأ قلبه حبًا وتعظيمًا له

يعيش العالم الإسلامي هذه الأيام أجواءً مفعمة بالفرح والمحبة بمناسبة ذكرى مولد النبي ﷺ؛ فالمرء الذي يعرف قدر المصطفى ويستشعر عظيم مكانته، لا يسعه إلا أن يفيض قلبه بمحبته، إذ كلما ازداد العبد معرفةً بالنبي ﷺ، ازداد له حبًا وتعظيمًا وتوقيرًا.
ويأتي في طليعة من عرفوا النبي ﷺ وأحبوه الصّدّيقُ أبو بكر رضي الله عنه؛ إذ بلغ حبه لرسول الله ﷺ مرتبةً لا تسعها العبارات. وحين طُلب من الصحابة البذلُ في سبيل الإسلام، جاد أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، ضاربًا أروع الأمثلة في التضحية والفداء، فقد كان سبّاقًا في شتى الميادين، وألصقَ الصحابة بالنبي ﷺ وخبيرًا بسيرته عن قرب، فكان بحق أعظمهم معرفةً به وأشدهم حبًا له.
وهوقد اعتنى القرآن الكريم ببيان جوانب شتى من حياة النبي ﷺ، مفصلًا في سيرته، وسلوكه، وأخلاقه، وحياته الأسرية، وأسفاره، وطريقة إدارته لشؤون المجتمع، فضلًا عما ورد فيه من إشاراتٍ إلى صفاته وهيئته الشريفة. وتتابعت بعد ذلك كتب السيرة النبوية والمصنفات في العصور اللاحقة لتجمع هذه المعالم وتشرحها، ميسرةً للناس سبل دراستها والتأسي بها.
ومن أبلغ ما يبرهن على سمو أخلاقه ﷺ تزكية الله تعالى له في محكم التنزيل:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
وحين سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُقه ﷺ، أجابت بإيجاز بليغ: «كان خُلُقُه القرآن». وما دامت التزكية إلهية، فإن سيرته ﷺ منزهة عن أي نقص؛ بل كانت حياته كلها كمالًا خلقيًا ونموذجًا ساميًا للرحمة والحكمة والإنسانية.
لقد زخر القرآن الكريم بالآيات التي تنوه بمقامه ﷺ، وتفصل في شمائله ورسالته؛ وكلما تعمق الإنسان في إدراك هذه المعاني، زاد حبه للنبي ﷺ، وكلما نما هذا الحب، أثمر توقيرًا والتزامًا بسنته وهديه.
وعليه، فإن الاحتفاء بذكرى مولده ﷺ ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو محطة متجددة لترسيخ المحبة، واستزادة الوعي بسيرته، واستحضار شمائله، وتأكيد العزم على اقتفاء أثره واتباع هديه ﷺ.
وفي القرآن الكريم سورة عظيمة تُبرز جوانب من شخصية النبي ﷺ، وهي سورة الشرح. يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، أي: ألم نوسّع لك صدرك، ونُهيئ قلبك لحمل الرسالة، ونرفع عنك ما أثقلك من أعباء الدعوة؟ ثم يقول سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، فرفع الله ذكر نبيه ﷺ، وجعل اسمه مقرونًا باسمه سبحانه في الأذان والتشهد وسائر المواطن.
وعندما نتأمل هذه السورة، نجد أمامنا حقيقة عظيمة تستحق التأمل: كيف استطاع رجل نشأ في بيئة لم تكن فيها العلوم والمعارف منتشرة كما هي اليوم، وفي مجتمع محدود الإمكانات، أن يصل برسالته إلى جميع أنحاء العالم؟ وكيف استطاع أن يُنشئ أمةً واسعة تضم ملايين البشر، يحملون رسالته في قلوبهم، ويبذلون في سبيلها أموالهم وأنفسهم؟ وكيف بقي اسمه ﷺ يُذكر ويُمدح ويُكتب ويُنقل من جيل إلى جيل، دون أن ينقطع ذلك لحظة واحدة؟
والجواب: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شرح صدره، ورفع ذكره، وأيّده ونصره.
إن الإنسان لا يستطيع أن يكسب القلوب بالمال أو العلم وحدهما، وإنما يحتاج إلى حسن التعامل، وكرم الأخلاق، وسعة الصدر، والرحمة بالناس. ولذلك قال الله تعالى في وصف نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
لقد كان النبي ﷺ صاحب قلب واسع، يتسع للمؤمن والكافر، وللفقير والغني، وللأسود والأبيض، وللقريب والبعيد، وللمسيء والمحسن. وكان يتعامل مع الناس بالرحمة والعفو والحكمة؛ ولذلك استطاع أن يدخل إلى قلوبهم وأن يهديهم إلى الحق.
وقد بيّن القرآن الكريم عظمة أخلاقه ﷺ، وجاءت السنة النبوية لتفصّل لنا جوانب هذه الأخلاق في معاملته مع المسلمين وغير المسلمين، ومع المخطئين، ومع زوجاته، ومع أصحابه، ومع عامة الناس، ومع ضيوفه.
فإذا قام شخص بجمع هذه الأخلاق النبوية، وصاغها في أبيات شعرية، ثم قرأها أو أنشدها، فكيف يكون ذلك أمرًا غير إسلامي؟
وإذا ألّف شخص كتابًا يصف رحلة الإسراء والمعراج—تلك الرحلة العظيمة الفريدة في تاريخ البشرية—وذكر تفاصيلها في صورة شعرية أو نثرية، ثم قرأها أو أنشدها، فكيف يكون ذلك أمرًا غير إسلامي؟
إن القرآن الكريم نفسه تحدّث عن جوانب متعددة من حياة النبي ﷺ وشخصيته، وعن أخلاقه ودعوته ومكانته ورسالته؛ ولذلك فإن التعبير عن محبته ﷺ، وذكر شمائله وأخلاقه، والتعريف بسيرته، من الأمور التي تُعمّق محبته في قلوب المؤمنين.
كما أن القرآن الكريم أشار إلى فضل البلد الذي وُلد فيه النبي ﷺ، ورفع الله شأن مكة المكرمة؛ فكيف يكون الحديث عن المكان الذي شهد مولده ﷺ ومدحه وذكر فضائله أمرًا غير إسلامي؟
إن الاحتفال بالمولد النبوي، إذا كان مشتملًا على قراءة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر سيرته وشمائله وأخلاقه، ومدحه والثناء عليه، وتعليم الناس سيرته، والدعاء إلى الله تعالى، فلا يصح أن يُحكم عليه بمجرد ذلك بأنه أمر غير إسلامي.
فالعاقل الذي يعرف قدر النبي ﷺ، ويعرف مكانته في القرآن والسنة، ويدرك عظمة أخلاقه ورحمته بالعالمين، لا يمكنه أن ينظر إلى مدائح النبي ﷺ وذكر سيرته ومناقبه نظرةً مجردة عن المحبة والتعظيم.
إن محبة النبي ﷺ ليست كلمة تُقال، وإنما هي شعور يسكن القلب، وسلوك يظهر في الحياة، وذكرٌ يُنعش الأرواح، وتعظيمٌ يربط الأمة بسيرة خير البشر محمد ﷺ.





