القس بولا فؤاد رياض كاهن كنيسة مار جرجس المطرية القاهرة
هزّت مذبحة التجمع الخامس بالقاهرة، خلال الأيام القليلة الماضية، الرأي العام المصري، بعدما ذهبت ضحيتها أسرة كاملة مكوّنة من رجل وزوجته وابنتهما. إنها جريمة مكتملة الأركان، قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وقد سبقتها وتلتها حوادث قتل أخرى آلمت المجتمع المصري وأثارت في النفوس مشاعر الحزن والقلق والخوف.
لقد كان مشهد وداع أسامة وزوجته وابنتهما من أصعب المشاهد التي مرّت على وجدان الإنسان. وقد جرى توديعهم على رجاء القيامة، إيمانًا بأنهم انتقلوا إلى دار النعيم والحياة الأبدية. وأمام الظلم والعنف قد يشعر الإنسان بالحزن والغضب، لكن الإيمان المسيحي يقودنا إلى تسليم الأمر للعدل الإلهي، إلى الله الذي يقول: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ» (رومية 12: 19).
فأحكام الله أحكام حق وعدل، ودماء الأبرياء لا تضيع أمامه. وقد أعلن الرب لقايين بعد قتله أخاه هابيل: «صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ» (تكوين 4: 10). ولذلك لا نحزن كالباقين الذين لا رجاء لهم، كما يقول الرسول بولس: «لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ» (1 تسالونيكي 4: 13). هذه الأسرة رحلت على رجاء القيامة، وعزاؤنا أن أرواحهم في يد الله، وأنه قادر أن يمنحهم الراحة والسلام والأكاليل، وأن يظهر الحق ويقيم العدل في وقته. «لا تقتل»
وهنا نتوقف أمام وصية الله في شريعته، وهي الوصية السادسة من الوصايا العشر: «لاَ تَقْتُلْ» (خروج 20: 13). هذه الوصية تعلن لنا أن الحياة عطية من الله، وأنها مقدسة، فلا يجوز للإنسان أن يستبيح حياة أخيه أو يزدري بها أو يمسّها بسوء. فالإنسان مخلوق على صورة الله، ومن ثم فإن احترام حياة الإنسان وكرامته جزء أصيل من الإيمان بالله. لكن السيد المسيح لم يترك الوصية في حدود معناها الحرفي الضيق، بل كشف لنا عمقها الروحي، وأعلن أن خطية القتل قد تبدأ في القلب قبل أن تصل إلى اليد.
أولًا: البغضة والكراهية يقول القديس يوحنا الرسول: «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَتْ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ» (1 يوحنا 3: 15). فالبغضة قد تكون بداية القتل، لأن الإنسان الذي يكره أخاه يبدأ أولًا بقتله داخل قلبه، ثم قد تتحول البغضة إلى إهانة، والإهانة إلى اعتداء، والاعتداء إلى جريمة. والسيد المسيح قال: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ» (متى 5: 21-22).
فالغضب والبغضة والإهانة والازدراء ليست أمورًا بسيطة في نظر الله، لأنها تكشف عن مرض المحبة داخل القلب. ثانيًا: عدم المبالاة والقتل السلبي في بداية قصة القتل في التاريخ، وبعدما قتل قايين أخاه هابيل، سأله الله: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟» فأجاب قايين: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟» (تكوين 4: 9).
إن سؤال قايين يحمل خطورة شديدة: هل أنا مسؤول عن أخي؟ والإجابة المسيحية واضحة: نعم، نحن حراس بعضنا البعض. الحياة البشرية تحتاج إلى المحبة والرحمة. ومن عرف الله عرف المحبة، لأن: «اَللهُ مَحَبَّةٌ» (1 يوحنا 4: 8).
لذلك فإن عدم المبالاة بالمتألم والمحتاج، وترك الإنسان في أزمته بينما نستطيع مساعدته، قد يتحول إلى صورة من صور المشاركة في الألم والدمار. فالامتناع عن الشر أمر جيد، لكن الامتناع عن فعل الخير عندما نستطيع فعله ليس أمرًا بسيطًا، إذ يقول الرسول يعقوب: «فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَناً وَلا يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ» (يعقوب 4: 17).
ثالثًا: القتل المعنوي ليس كل قتل باليد أو بالسلاح؛ فهناك قتل معنوي قد يدمّر الإنسان من الداخل. قد نقتل إنسانًا بالتشهير بسمعته، أو اغتيال شخصيته، أو إهانته، أو تحطيم كرامته، أو السخرية منه، أو التقليل من شأنه، أو تعمد إذلاله أمام الآخرين.
وقد يحدث ذلك داخل الأسرة نفسها؛ عندما يستخدم الأب أو الأم السخرية والاستهزاء والقسوة بدلًا من التربية، أو عندما يُعامل المسؤول من هم تحت رعايته باحتقار وإذلال مستمر. وهناك كلمات قد تكون أشد ألمًا من السلاح، كما يقول المرنم: «أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ» (مزمور 55: 21).
لذلك فالوصية «لا تقتل» تعني أيضًا: لا تحطم إنسانًا، لا تهدم كرامته، لا تقتل رجاءه، ولا تجعل حياته جحيمًا بكلماتك أو أفعالك. رابعًا: الظلم الظلم أيضًا صورة من صور الاعتداء على حياة الإنسان وكرامته. يقول الكتاب: «وَيْلٌ لِمَنْ يَبْنِي بَيْتَهُ بِغَيْرِ عَدْلٍ، وَعَلالِيَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، الَّذِي يَسْتَخْدِمُ صَاحِبَهُ مَجَّانًا وَلا يُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ» (إرميا 22: 13).
ومن صور الظلم أن يأكل الإنسان حق العامل أو يؤخر أجرته أو يمنعه منها، في حين أن هذا الأجر قد يكون مصدر رزقه الوحيد ورزق أسرته. ويقول الكتاب: «هُوَذَا أُجْرَةُ الْفَعَلَةِ الَّذِينَ حَصَدُوا حُقُولَكُمُ، الْمَبْخُوسَةُ مِنْكُمْ تَصْرُخُ، وَصِيَاحُ الْحَصَّادِينَ قَدْ دَخَلَ إِلَى أُذْنَيْ رَبِّ الْجُنُودِ» (يعقوب 5: 4). ويقول أيضًا: «لاَ تَغْصِبْ قَرِيبَكَ وَلاَ تَسْلُبْهُ، وَلاَ تَبِتْ أُجْرَةُ أَجِيرٍ عِنْدَكَ إِلَى الْغَدِ» (اللاويين 19: 13). وكذلك: «فِي يَوْمِهِ تُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ وَلاَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ عَلَيْهَا» (التثنية 24: 15).
ومن هنا، فإن قطع رزق إنسان ظلمًا، أو منعه من أجره، أو الاستيلاء على أدوات عمله التي يتكسب منها، كلها ممارسات قد تدفع الإنسان وأسرته إلى الجوع والعوز والانهيار، ولذلك يجب أن يتعامل الإنسان مع حقوق الآخرين بمخافة الله والعدل والرحمة.
خامسًا: الإهمال والتقصير القتل غير المباشر قد يكون أيضًا نتيجة الإهمال والتقصير المتعمد، خصوصًا عندما يكون الإنسان قادرًا على إنقاذ حياة أو دفع ضرر ثم يمتنع بلا سبب. ومن صور ذلك: الامتناع عن تقديم الطعام أو الدواء أو الرعاية لمن يحتاج إليها، أو ترك خطر واضح يهدد حياة الآخرين دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وكذلك من يقود مركبة دون صلاحية أو بسرعة متهورة أو برعونة واستهتار، فيتسبب في وفاة إنسان، يتحمل مسؤولية خطيرة أمام الله والمجتمع والقانون. فالإنسان لا يعيش وحده، وكل واحد منا مسؤول، بدرجة ما، عن سلامة من حوله.
سادسًا: القتل الروحي هناك أيضًا قتل روحي، وهو أن يكون الإنسان سبب عثرة أو سقوط لغيره. قد يهمل الأب أو الأم التربية الروحية لأبنائهما، أو يقدم الخادم قدوة سيئة، أو يستخدم الإنسان نفوذه بطريقة تفسد حياة من حوله. والعِثرة خطيرة، خصوصًا عندما تكون موجهة إلى الصغار، لأن السيد المسيح حذّر بشدة من أن يكون الإنسان سبب عثرة للآخرين. لذلك فمسؤوليتنا ليست فقط أن نحافظ على حياة الإنسان الجسدية، بل أيضًا أن نحافظ على حياته الروحية ونساعده على النمو في الإيمان والفضيلة.
سابعًا: الإجهاض إن حياة الجنين أيضًا عطية من الله، ولذلك ينبغي التعامل معها بمنتهى القداسة والمسؤولية، مع مراعاة الظروف الإنسانية والطبية والقانونية المعقدة لكل حالة. فالإيمان المسيحي يؤكد أن الإنسان، منذ وجوده في رحم أمه، ليس مجرد مادة بلا قيمة، بل هو كائن له كرامته أمام الله، ولذلك لا يجوز التعامل مع الحياة البشرية باستهانة أو استباحة.
ثامنًا: الانتحار الحياة عطية من الله، والإنسان ليس سيدًا مطلقًا على حياته، ولذلك فإن الانتحار أمر مرفوض في الإيمان المسيحي، لأنه اعتداء على عطية الحياة التي وهبها الله. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نتعامل مع كل إنسان يمر بألم شديد أو يأس أو اضطراب برحمة ومحبة ومساندة، لا بالإدانة والقسوة، وأن نسعى إلى إنقاذه وحمايته ومساعدته.
تاسعًا: التحريض على الشر والإفساد من صور الاعتداء على حياة الإنسان أن يكون الإنسان سببًا في إفساد غيره أو تدميره، كمن يحرض الآخرين على تعاطي المخدرات أو الإدمان أو السلوكيات التي تهدم الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا. فقد لا يرفع المحرِّض سلاحًا في يده، لكنه قد يدفع إنسانًا إلى طريق الهلاك. قايين وهابيل… أول صرخة دم في التاريخ قصة قايين وهابيل هي أول قصة قتل في تاريخ البشرية، وهي تكشف لنا كيف يبدأ الشر من الداخل. فبعد أن قُبل قربان هابيل، تسلل الحسد والبغضة إلى قلب قايين، حتى انتهى الأمر بقتل أخيه.
لكن هابيل لم ينتقم لنفسه، ولم ينزل إلى مستوى الشر الذي ارتكبه أخوه، بل ترك الأمر لله، لأن الرب هو الذي يدافع عن المظلومين: «لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ» (رومية 12: 19).
وقال الله لقايين: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ» (تكوين 4: 10-11). وهكذا يعلن الكتاب أن دم الأبرياء ليس بلا صوت، وأن الله يرى الظلم، ويسمع صرخة المظلوم، ولا يضيع عنده حق. «لا تقتل» تعني: أحبب المفهوم الإلهي للوصية لا يقف عند الامتناع عن إزهاق الحياة، بل يمتد إلى ممارسة المحبة.
فإذا كان القتل يعني التدمير والقمع والقضاء على الآخر، فإن نقيضه هو أن أعتني بالإنسان، وأحترمه، وأغفر له، وأحفظ كرامته، وأساعده، وأصنع الخير نحوه. ولهذا يمكن أن نفهم الوصية بصورة إيجابية: لا تقتل… بل أعطِ حياة. لا تهدم… بل ابنِ. لا تكره… بل أحب. لا تنتقم… بل اغفر. لا تظلم… بل اعدل. لا تهمل… بل اهتم. لا تكن عثرة… بل كن قدوة.
وهكذا تصبح وصية «لا تقتل» دعوة صريحة إلى المحبة والرحمة والسلام. وكما نُسب إلى القديس أغسطينوس في تعبيره الشهير: «أحبب، وافعل ما تشاء.» لأن القلب الذي امتلأ بالمحبة الحقيقية لا يبحث عن تدمير الآخر، بل عن خلاصه وخيره وسلامه. إن العالم اليوم يحتاج إلى أن يسمع من جديد صوت الله: «لا تقتل.»
ليس فقط: لا تقتل الإنسان بيدك، بل لا تقتله ببغضتك، ولا بكلماتك، ولا بظلمك، ولا بإهمالك، ولا بعثرتك، ولا بسلب حقوقه، ولا بتحطيم كرامته. فلنحرس الحياة، ولنحفظ كرامة الإنسان، ولنقف إلى جوار المظلوم والمتألم والمحتاج، ولنترك الانتقام للديان العادل، ولنملأ عالمنا بالمحبة والرحمة.
ونصلي إلى الله أن يرفع عن العالم محاربات الشيطان، عدو الخير، وكل محاربات خطية القتل والعنف والكراهية، وأن يمنح القلوب سلامًا ورحمة، ويحفظ بلادنا وشعبنا من كل شر. بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
بقلم القس بولا فؤاد رياض كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة.