مصر تعزز صادراتها لأفريقيا.. اللوجستيات والتمويل والمعلومات

كتبت:إيمان خالد خفاجي
تضع الحكومة المصرية ملف زيادة الصادرات على رأس أولوياتها، في إطار توجه يستهدف تعزيز تنافسية المنتج المصري وفتح أسواق جديدة أمام الشركات، خاصة في القارة الأفريقية، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بالعديد من دول القارة.
ويأتي هذا التوجه في تحركات الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، الذي يركز على دعم نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الخارجية، وتعظيم الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، بما يسهم في زيادة الصادرات بصورة تدريجية ومستدامة.
وأكد الوزير في تصريحات سابقة» أن الهدف الأساسي هو زيادة الصادرات المصرية، دون اشتراط مضاعفتها في كل مرحلة، بما يعكس رؤية تستند إلى تحقيق نمو مستدام، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز قدرة الشركات المصرية على المنافسة خارجيا.
وتحتل أفريقيا موقعًا متقدمًا ضمن الأسواق المستهدفة، إذ بلغت الصادرات المصرية إلى الدول الأفريقية نحو 7.6 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعكس وجود قاعدة تجارية يمكن البناء عليها، مع استمرار وجود فرص واسعة أمام المنتجات المصرية للتوسع خلال السنوات المقبلة.
النقل واللوجستيات.. التحدي الأبرز أمام الصادرات
تعد تكلفة النقل وطول المدة التي تستغرقها الشحنات للوصول إلى الأسواق الأفريقية من أبرز العقبات التي تواجه المصدرين المصريين، خاصة مع اتساع المسافات وغياب خطوط ملاحية مباشرة ومنتظمة مع عدد من الدول.
وأوضح شريف الجبلي، رئيس لجنة التعاون الأفريقي باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض الشحنات المصرية قد تستغرق نحو 50 إلى 60 يومًا للوصول إلى بعض الأسواق الأفريقية، إلى جانب ارتفاع تكلفة النقل الداخلي داخل القارة.
ولا تتوقف المنافسة في هذه الحالة عند جودة المنتج وسعره، وإنما تمتد إلى قدرة المصدر على توفير المنتج في الوقت المناسب وبأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مراكز لوجستية ومخازن ومراكز توزيع داخل الأسواق الأفريقية، بما يسمح بتوفير المنتجات بصورة مستمرة وتقليل الاعتماد على شحن كل طلبية بشكل منفصل، فضلًا عن إمكانية تجميع الشحنات وخفض تكاليف النقل.
الاتفاقيات التجارية تحتاج إلى تنفيذ عملي
تمتلك مصر ميزة مهمة تتمثل في اتفاقيات التجارة الحرة، إلا أن الاستفادة من الإعفاءات والتخفيضات الجمركية لا تعني تلقائيًا ارتفاع الصادرات.
ويحتاج المصدر إلى الإلمام بقواعد المنشأ، ومتطلبات التسجيل، والمواصفات الفنية، وشروط دخول كل سوق، إلى جانب دراسة طبيعة المستهلك والقدرة الشرائية والمنافسين.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية على دعم التنفيذ العملي لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، والعمل على إزالة العوائق أمام التجارة البينية، بما يمنح القطاع الخاص المصري مساحة أكبر للتوسع داخل الأسواق الأفريقية.
نقص المعلومات.. عقبة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة
يمثل نقص المعلومات الدقيقة عن الأسواق الأفريقية تحديًا آخر أمام الشركات المصرية، خاصة الصغيرة والمتوسطة التي قد لا تمتلك الموارد الكافية لدراسة كل سوق بشكل مستقل.
فالقارة الأفريقية ليست سوقًا واحدة متجانسة، إذ تختلف احتياجات المستهلكين والقدرة الشرائية والمواصفات وأنماط الاستهلاك من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.
ومن ثم، فإن تعزيز دور المكاتب التجارية والبعثات والمعارض المتخصصة، إلى جانب توفير قواعد بيانات دقيقة، يمكن أن يساعد المصدرين على تحديد المنتجات الأكثر طلبًا، والأسعار المناسبة، والمنافسين، وقنوات التوزيع، ومتطلبات الاستيراد.
الصين وتركيا والهند.. منافسة قوية
يواجه المنتج المصري منافسة قوية من دول تمتلك خبرات وشبكات تجارية واسعة داخل الأسواق الأفريقية، وعلى رأسها الصين وتركيا والهند.
واستطاعت هذه الدول على مدار سنوات بناء علاقات تجارية وشبكات توزيع ومراكز لوجستية في عدد من الدول الأفريقية، وهو ما يجعل دخول السوق بحاجة إلى استراتيجية تتجاوز مجرد تقديم منتج ذي جودة جيدة.
وتحتاج الشركات المصرية إلى بناء حضور مستدام لعلاماتها التجارية داخل القارة، والتحول من مجرد تصدير المنتجات إلى إقامة علاقات طويلة الأجل وشبكات توزيع وتقديم خدمات ما بعد البيع والاستجابة السريعة لاحتياجات الأسواق.
التمويل وضمان مخاطر التصدير
يظل التمويل من التحديات المهمة أمام المصدرين، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تواجه صعوبات بسبب طول فترات التحصيل، أو مخاطر عدم السداد، أو الظروف السياسية والاقتصادية في بعض الأسواق.
لذلك تبرز أهمية تطوير أدوات تمويل وضمان الصادرات، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الأفريقية والدولية.
وفي هذا السياق، شهدت تحركات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية مباحثات مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك» لتعزيز التجارة البينية، إلى جانب بحث آليات جديدة مع وكالة ائتمان الصادرات البريطانية لدعم توسع الشركات المصرية في الأسواق الأفريقية.
جودة المنتج والمواصفات الفنية
اختلاف المواصفات الفنية وشهادات المطابقة بين الدول الأفريقية يمثل بدوره تحديًا أمام حركة المنتجات المصرية، إذ قد تواجه بعض السلع صعوبات في دخول أسواق معينة رغم وجود طلب عليها.
وتبرز هنا أهمية توحيد وتسهيل إجراءات المطابقة والاعتراف بالشهادات، إلى جانب تطوير قواعد التجارة بما يسهم في تقليل الحواجز غير الجمركية أمام حركة السلع بين الدول الأفريقية.
أفريقيا.. فرصة للاستثمار وليس مجرد سوق للتصريف
التوسع المصري في أفريقيا لا يجب أن يقتصر على إرسال الشحنات من مصر، بل يتطلب التوسع في إقامة شراكات واستثمارات ومراكز توزيع ومشروعات تصنيع مشترك داخل القارة.
ويتوافق ذلك مع التوجه نحو الربط بين الاستثمار والإنتاج والتصدير، بحيث تصبح الاستثمارات المصرية في الدول الأفريقية وسيلة لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتعزيز وجود الشركات المصرية داخل سلاسل القيمة الإقليمية.
الممرات التجارية فرصة لخفض التكلفة
تمثل مشروعات الربط البري والبحري والممرات اللوجستية فرصة مهمة أمام مصر لتطوير حركة التجارة مع أفريقيا، ومن بينها الممر الذي يربط مصر بليبيا وتشاد وصولًا إلى وسط أفريقيا.
غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه الممرات تتطلب توفير منظومة متكاملة تشمل النقل والشحن والتأمين والتخزين والخدمات اللوجستية، حتى تتحول مشروعات البنية الأساسية إلى أدوات فعلية لزيادة التجارة والصادرات.
التحدي الحقيقي.. تحويل الفرصة إلى صادرات مستدامة
تملك مصر مقومات مهمة للتوسع في أفريقيا؛ فهناك سوق واسعة، واتفاقيات تجارية، ومنتجات مصرية لديها فرص للنمو، لكن التحدي الأساسي يتمثل في خفض تكلفة وصول المنتج إلى المستهلك وتعزيز قدرته على المنافسة.
ومن ثم، فإن نجاح استراتيجية زيادة الصادرات لا يقاس فقط بتحقيق رقم مستهدف، وإنما بزيادة عدد الشركات المصدرة، وإدخال الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى منظومة التصدير، وتنويع المنتجات والأسواق، وبناء علاقات تجارية طويلة الأجل.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مصر تمتلك قاعدة يمكن البناء عليها، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد «فتح السوق» إلى «الوجود داخل السوق»، من خلال تطوير اللوجستيات، وتوفير التمويل، وتحسين التسويق، وإتاحة المعلومات، وتعزيز الشراكات الاستثمارية.
زيادة الصادرات.. نمو تدريجي أكثر استدامة
وتعكس رؤية الدكتور محمد فريد بشأن زيادة الصادرات، دون اشتراط مضاعفتها في كل مرحلة، توجهًا نحو بناء نمو مستدام، بحيث لا تكون الزيادة مجرد قفزة مؤقتة، وإنما مسارًا تصاعديًا مستمرًا عامًا بعد عام.
وبالنسبة لأفريقيا، فإن النجاح الحقيقي يتمثل في تحويل القارة من مجرد سوق تصديرية واعدة إلى امتداد طبيعي للصناعة المصرية، تنتقل فيه الشركات من تصدير المنتج فقط إلى بناء سلاسل قيمة وشبكات توزيع واستثمارات وشراكات مشتركة.
وعند تحقيق ذلك، لن تصبح زيادة الصادرات المصرية إلى أفريقيا مجرد هدف رقمي، بل ستكون نتيجة طبيعية لتحسن تنافسية المنتج، وخفض تكاليف النقل، وتطور أدوات التمويل، وزيادة المعرفة بالأسواق، وتعميق العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول القارة.





