مقالات الرأي

الدكتور عادل عامر يكتب الأمن العربي كحائط صد للأمن القومي المصري

يعتبر الأمن العربي حائط صد استراتيجي للأمن القومي المصري، حيث تشكل التهديدات والمصالح المشتركة إطاراً متكاملاً لا يمكن فصله، إذ ينظر إلى أمن الخليج العربي وأمن دول الجوار كجزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي

 

الاستراتيجية المصرية لمواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية

 

لطالما سعت رؤية القيادة المصرية للحفاظ على الأمن القومي ومقدرات الشعب المصري على المحاور الاستراتيجية كافة، بتنويع وسائل وطرق مواجهة التهديدات الأمنية المحتملة، والتي تتلخص بالآتي:

 

•الاستراتيجية العسكرية المصرية

 

تغيرت الاستراتيجية العسكرية المصرية بعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكُوِّنت قوة عسكرية كبيرة، بدعم القوات المسلحة بأسلحة جديدة، وتنويع مصادر السلاح، وإنشاء قواعد عسكرية تُغطِّي الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، وإجراء مناورات عسكرية بهذا الحجم من التسليح والمعدات، بما يحقق الاستراتيجية المصرية، وهي استراتيجية دفاعية بالمقام الأول، ولكن قد تتحول لشكل هجومي بحالة وجود تهديد مباشر للأمن القومي.

 

أصبح يوجد فكر عسكري واستراتيجي جديد تنتهجه القوات المسلحة المصرية، فالاتجاه للقواعد العسكرية، أصبح الأداة التي تسعى إليه بعض الدول، فتمتلك مصر عددًا من القواعد العسكرية؛ حيث افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو عام 2017 قاعدة “محمد نجيب”، وهي منشأة عسكرية عملاقة تحتوي على ساحة تدريب رئيسية ومجموعة واسعة من المعدات العسكرية وعشرات الآلاف من القوات القتالية البرية والخاصة،

 

بينما افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي أيضًا في يناير2020 قاعدة برنيس العسكرية البحرية التي تقع بالبحر الأحمر بقرب الحدود (المصرية – السودانية)، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

 

تعددت التهديدات والمخاطر التي واجهت الأمن القومي المصري خاصة والأمن القومي العربي عامة، إذ واجهت مصر تهديد من قوى الإسلام السياسي التي وظفت الدين وعملت على زعزعة الاستقرار والأمن الداخلي، مع مساعدة قوى خارجية لها بتمويلها ودعمها، ومارست عمليات إرهابية عديدة بهدف تشتيت قدرات وطاقات وموارد الدولة المصرية، وخلق حالة من عدم الأمان والاستقرار على كافة المستويات سواء بتهديد السياحة وأمان الأجانب أو منع تدفق الاستثمار الأجنبي، لكن كان حائط الصد في ذلك هو الانتباه إلى هذه التهديدات والتعويل على صناعة القرار المصري الرشيدة في طرح رؤى استراتيجية وتنموية على كافة المستويات 

 

خاصة في ضوء المخاطر التي تتعرض لها حدود مصر وما أصاب الأمن القومي العربي من الهزل على مدار السنوات الماضية، لذلك عملت الدولة المصرية على تحديث منظومتها العسكرية وتنويع مصادر السلاح وتطوير قواعد عسكرية واستحداث أخرى ورفع الكفاءة القتالية لأفراد القوات المسلحة عبر التدريبات والمناورات العسكرية.

 

كذلك تبنت مصر مقاربة رصينة، قوامها الرئيسي دعم وحدة الدول الوطنية، ودفع مسارات التسوية السليمة للصراعات، ورفض التدخلات الخارجية المعرقلة لجهود تحقيق الاستقرار. كما حاولت مصر تفعيل الدور العربي وتعزيز التعاون المشترك عبر طرح صياغات للتنمية العربية المشتركة مثل مشروع المشرق الجديد بين مصر والعراق والأردن واستحداث آلية التنسيق الثلاثي بين هذه الدول ليستعيد العراق مكانته ومحاولة إعادته مرة أخرى إلى المحيط العربي.

 

أيضاً انخرطت مصر بكافة جهودها وإمكانياتها في صياغة حلول لقضايا وأزمات الأمن القومي العربي سواء في مواجهة تطورات الأوضاع في السودان في 15 أبريل الماضي، وطرحها لضرورة وقف إطلاق النار وتوفير مجالات إغاثية للشعب السوداني، بالإضافة إلى استضافة نحو أكثر من ربع مليون سوداني في مصر، وفى الأزمة الليبية أكدت ثوابت الدولة المصرية على الحفاظ على الدولة الوطنية وضرورة انسحاب الميليشيات والمرتزقة من الأراضي الليبية، وعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وردع التهديدات الخارجية بعدم تجاوز خط سرت -الجفرة لكونه خط أحمر بالنسبة للدولة المصرية لن تسمح لأحد بتخطيه، كما أطلقت “إعلان القاهرة” 2020 الذي ساهم بشكل حاسم في وضع حد لدائرة العنف في ليبيا.

 

ولا يغفل في ذلك الدور المصري في دعم استقرار لبنان، وتقديم مساعدات في الكارثة التي تعرضت لها عقب حادث مرفأ بيروت، ومن ناحية ثانية محاولة فتح آفق للتعاون الاقتصادي عبر إمداد لبنان بالغاز الطبيعي المصري من خلال خط أنابيب يمر عبر الأراضي الأردنية والسورية.

 

 ولم يختلف الموقف في الأزمة اليمنية إذ تبلور في الحفاظ على سيادة الدولة اليمنية، وضمان سلامة مؤسساتها الوطنية، بالإضافة إلى دعم الحل السياسي للأزمة، مع الدعوة إلى ضرورة وقف استغلال الأراضي اليمنية لاستهداف دول الجوار، أو لعرقلة حرية الملاحة في مضيق باب المندب؛ على خلفية الارتباط العضوي بالأمن القومي المصري،

 

وذلك في إطار حماية أمن منطقة البحر الأحمر، في مواجهة الهجمات الإرهابية للتأثير على حركة الملاحة بافتتاح مصر قاعدة “برنيس” العسكرية في يناير 2021 بهدف حماية السواحل الجنوبية المصرية وكذا حماية الاستثمارات الاقتصادية والموارد الطبيعية في هذه المنطقة، وانضمام مصر لمجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي تم تأسيسه في الرياض في يناير عام 2020.

 

كذلك أكدت مصر على الحل السياسي للأزمة السورية وضرورة انسحاب القوات الأجنبية من سوريا وخروج المرتزقة والمليشيات منها وعودتها إلى الصف العربي، فنجحت مصر بالتنسيق مع الدول العربية في عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية ومشاركتها في القمة العربية الثانية والثلاثون في مدينة جدة في 19 مايو الماضي.

 

 

 

يضاف إلى ذلك؛ دور مصر في دعم القضية الفلسطينية وفقا لمقررات الشرعية الدولية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فضلا عن تحملها واستضافة اللاجئين الفلسطينيين والمساهمة في إعادة إعمار غزة بقيمة نصف مليار دولار، فضلا عن دورها في إنجاز صفقة تبادل أسرى شاليت في 2011، إضافة إلى الجهود الناجحة التي تقوم بها مصر بالنسبة للتهدئة وعدم تصعيد الموقف الأمني والعسكري بين إسرائيل والقطاع في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 2008-2023. 

 

كذلك نجاح الدور المصري في تأسيس منتدى شرق المتوسط في يناير2019، بهدف التعاون واستثمار اكتشافات الغاز من أجل تدعيم مبادئ التعاون الإقليمي وبما يحقق المكاسب لكافة الدول، وقد تم تحويل المنتدى لمنظمة دولية للطاقة منذ سبتمبر 2020 لتضم كل من (مصر، فلسطين، الأردن، إسرائيل، إيطاليا، اليونان، قبرص) ومنح صفة المراقب لكل من فرنسا والولايات المتحدة والإمارات.

 

ومن ثم لم تتوانى مصر عن دورها الإقليمي بالرغم من التحديات في ملف أمنها المائي، وأكدت وفقا للثوابت القانونية والدولية على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم يحقق مصالح الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا)، واستجابت الدولة المصرية للدخول في مفاوضات لعدة سنوات سواء ثنائية أو متعددة الأطراف لحل قضية السد الإثيوبي، لكن لم يسهم التعنت الإثيوبي في التوصل لنتيجة مرضية لكافة الأطراف

 

. إن مصر دائمًا كانت حائط الصد الأول لحماية الأمن القومي العربي، وهناك الكثير من المواقف التي عاصرها العرب منذ ولاية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصولًا إلى الموقف القوي لـلرئيس السيسي دعمًا للقضية الفلسطينية.

 

في الختام؛ يعد الأمن القومي العربي محصلة أمن كل دولة عربية، ولاستعادة قدرة الدول ومؤسساتها على مواجهة مصادر التهديد، يجب إعلاء مستوي الأمن القومي العربي على حساب المصالح الخاصة، الأمر الذي يقتضي معه إعادة صياغة المفهوم مرة أخرى عبر تحديد مصادر التهديد وكيفية مواجهتها، وإعادة النظر في أسس وقواعد التنسيق العربي خاصة أن أي تهديد في أمن الخليج أو البحر الأحمر أو أمن الشام والمغرب العربي يعد تهديداً للأمن القومي العربي برمته.

 

الدكتور عادل عامر

 

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

 

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

 

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى