القس بولا فؤاد رياض يكتب : ….القديس مارمرقس الرسول كاروز الديار المصرية
تعيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 30 برمودة الموافق 8 مايو من كل عام بعيد استشهاد القديس مارمرقس الرسول. وكنيستنا القبطية الأرثوذكسية كنيسة آبائية تحب الآباء القديسين وترتبط بهم روحيًا، وتتمتع بأبوتهم، لأن أبوة القديسين لنا هى سر الحب الطاهر النقى الذى ينسكب من قلوب امتلأت بمحبة السيد المسيح، فصار هذا الحب أبوة حانية تعمل فينا بروح الله القدوس. لذلك نحن نحب الآباء القديسين ونؤمن بدورهم وعملهم معنا، وندرك مكانتهم فى الكنيسة وفى السماء، ونطلب صلواتهم وشفاعتهم، وخاصة القديس مارمرقس الرسول.
نحن أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لنا آباء كثيرون، لكن أبانا الأول الذى ولدنا فى المسيح هو القديس مارمرقس الرسول الإنجيلى والرسول، ناظر الإله، كاروز ديارنا المصرية الذى بلغت أقواله أقطار المسكونة، وتباركت به كل قبائل الأرض. نحن ننتمى إلى مارمرقس كاروز مصر ومدبرها الأول، فهو الذى ولدنا فى المسيح، وإليه يرجع الإيمان المسيحى فى مصر، وكأن لسان حاله يقول: «أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ» (١كو ٤: ١٥).
مارمرقس هو أبونا الأول، هو الذى عرفنا بالمسيح، وسار بنا فى طريق الأبدية، وأعطانا خبز الحياة، لأنه سلمنا ما تسلمه من السيد المسيح نفسه فى القداس الكيرلسى. لقد كان المصباح الذى أضاء علينا بنور المسيح وبدد ظلمة الوثنية التى كانت تعيش فيها مصر، فصار نوره نهارًا مقدسًا نحيا به حتى اليوم.
القديس مارمرقس الرسول هو واحد من السبعين رسولًا الذين عينهم السيد المسيح وأرسلهم أمام وجهه إلى كل مدينة وموضع (لو ١٠). تتلمذ للسيد المسيح ثلاث سنوات، وعاين خدمته ومعجزاته وسمع تعاليمه، وكان شاهدًا لآلامه وصلبه وقيامته.
بيت مارمرقس:
نشأ مارمرقس فى البيت الذى استضاف السيد المسيح بكرم أمه مريم أم مرقس وأبيه أرسطوبولس. وفى هذا البيت صنع السيد المسيح الفصح الأخير، وغسل أرجل تلاميذه، وأسّس سر الإفخارستيا. وفى هذا البيت أيضًا اختبأ التلاميذ بعد الصلب، وظهر لهم السيد المسيح بعد القيامة والأبواب مغلقة، وفيه مكثوا بعد الصعود انتظارًا لحلول الروح القدس يوم الخمسين. كما صار بيت مارمرقس أول كنيسة فى العالم ومركز كنيسة أورشليم ومقرًا للقديس يعقوب البار. وهكذا عاش مارمرقس كل أحداث حياة السيد المسيح وكان شاهدًا حيًا لها.
إنجيل مارمرقس:
كان القديس مارمرقس الرسول أول من كتب البشارة المفرحة بوحي الروح القدس، فسجل كل ما عاينه وسمعه عن حياة السيد المسيح. ويُعتبر إنجيله أول إنجيل كُتب فى خمسينيات القرن الأول الميلادى باللغة اليونانية، وأول وثيقة تاريخية عن حياة السيد المسيح على الأرض. وقد كتبه للرومان الذين كانوا يعتزون بالقوة، لذلك قدم لهم المسيح القوى، وركز على الأعمال والمعجزات أكثر من الأمثال والتعاليم.
قداس مارمرقس:
كان القديس مارمرقس أول من كتب نصًا للقداس الإلهى فى حياة الكنيسة، وتسلمه من السيد المسيح نفسه، وهو ما نعرفه اليوم فى كنيستنا بالقداس الكيرلسى. ويُعتبر هذا القداس أصل كل القداسات التى تُصلى فى العالم كله. وقد ظلت الكنيسة القبطية تصلى به وحده لمدة ستة قرون. وكان إيمان مارمرقس إيمانًا حيًا مستقيمًا، نقله للمصريين لا كمجرد معلومات أو أحداث، بل كحياة وخبرة وشركة حقيقية مع الله. ولذلك صار قلب الكنيسة كلها يحمل نفس الإيمان الذى عاش به مارمرقس بكل بساطته وعمقه وجماله.
وقد اختار القديس مارمرقس الرسول القديس أنيانوس ليكون أسقفًا على كرسى الإسكندرية، ورسم معه ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة لتنظيم الخدمة والرعاية. ومنذ ذلك الوقت استمر التسليم الرسولى فى الكنيسة حتى وصل إلينا اليوم فى شخص البابا تواضروس الثاني البطريرك رقم ١١٨ على كرسى مارمرقس، مرورًا بكل الآباء البطاركة والأساقفة والكهنة عبر الأجيال.
مدرسة الإسكندرية اللاهوتية:
أسس القديس مارمرقس الرسول مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التى صارت أول معهد لاهوتى فى تاريخ الكنيسة. ومن خلالها أصبحت كنيسة الإسكندرية منارة للعلم والمعرفة والتعليم الصحيح، واستطاعت أن تواجه الهرطقات والبدع وتحفظ الإيمان المستقيم. ولذلك صارت مدرسة الإسكندرية عقل المسيحية، وصار أسقف الإسكندرية يُدعى “قاضى المسكونة”.
لقد ربط مارمرقس بين العلم والحياة المقدسة، فكان التعليم عنده مرتبطًا بالقداسة، والخدمة مرتبطة بالحياة الروحية. لذلك ظل العمل الكنسى فى كنيسة الإسكندرية قائمًا على هذا الفكر الرسولى الأصيل.
يا مارمرقس الرسول، أيها المصباح المنير، لن نشبع إلى الأبد من تمجيدك، لأنك أنت النور الذى أضاء علينا وأشرق فى كورتنا. السلام لك أيها الشهيد، السلام لك أيها الإنجيلى، اطلب من الرب عنا يا ناظر الإله الإنجيلى الرسول ليغفر لنا خطايانا. وبشفاعة خليفتك البابا تواضروس الثاني وكل الآباء القديسين، كل عام وأنتم بخير




