القس بولا فؤاد رياض : عيد إصعاد جسد السيدة العذراء مريم
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بعد صوم السيدة العذراء الذي يستمر لمدة أسبوعين، بعيد إصعاد جسد السيدة العذراء مريم، وذلك في 16 مسرى، الموافق 22 أغسطس من كل عام.
وبهذه المناسبة، نتناول مكانة السيدة العذراء مريم في القرآن، وما ورد عنها من تكريم وفضائل، مع توضيح بعض الأمور التي نُسبت إلى الإيمان المسيحي، بينما لا تمثل العقيدة المسيحية في شيء.
يشرح القرآن في سورة آل عمران أن مريم نُذرت للرب وهي في بطن أمها، فيقول: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا»، كما يذكر أنها تربت في رعاية زكريا، وأنها كانت تجد عنده رزقًا: «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ» (آل عمران: 37).
ويظهر علو مكانة العذراء مريم في القرآن في قوله: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» (آل عمران: 42).
وهكذا يذكر القرآن مريم باعتبارها امرأة اصطفاها الله وطهرها، وكانت عابدة ساجدة راكعة، كما يذكر عزلتها للعبادة والتأمل: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا» (مريم: 16-17).
ويذكر أيضًا قول الله لها: «فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا» (مريم: 26).
ومن أراد التوسع في معرفة ما ورد عن العذراء مريم في القرآن، يمكنه الرجوع بصفة خاصة إلى سورتي آل عمران ومريم.
ولكن عند قراءة بعض الآيات القرآنية التي تتناول عقائد المسيحيين، نجد أن هناك أمورًا ينسبها القرآن إلى بعض الناس، بينما لا تمثل الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، بل إن الكنيسة حاربت مثل هذه الأفكار والبدع عبر تاريخها.
ومن هذه الأمور ما يتعلق بألوهية العذراء مريم. فقد ورد في سورة المائدة: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ» (المائدة: 116).
والمسيحية لم تؤمن في يوم من الأيام بألوهية العذراء مريم، بل إن العذراء نفسها تقول في الإنجيل: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ» (لوقا 1: 38). فهي أمُّ الرب بحسب التجسد، لأنها ولدت الكلمة المتجسد، لكنها ليست إلهًا ولا أقنومًا إلهيًا، ولا تشترك مع الله في جوهر اللاهوت.
وقد ظهرت عبر التاريخ بعض البدع التي بالغت في تكريم العذراء حتى نسبت إليها ما لا يليق بها، وقد رفضت الكنيسة هذه البدع وحاربتها، كما تؤكد دائمًا أن العبادة لله وحده.
ومن الأمور الأخرى التي وردت في القرآن ما يتعلق بفكرة وجود «صاحبة» لله، إذ يقول: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ» (الأنعام: 101)، ويقول أيضًا: «وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا» (الجن: 3).
والمسيحية لا تؤمن بأن لله «صاحبة» أو زوجة، ولا تؤمن بأن ولادة المسيح هي ولادة جسدية أو تناسلية. فالله روح، كما يقول الكتاب المقدس: «اَللّٰهُ رُوحٌ» (يوحنا 4: 24)، وبنوة الابن للآب ليست بنوة جسدية أو تناسلية، وإنما هي بنوة إلهية أزلية.
ومن هنا يتضح أن ربط هذه الأفكار معًا، أي فكرة ألوهية العذراء، وفكرة وجود صاحبة لله، ثم بناء تصور لثالوث مكوَّن من الله وصاحبة وابن، لا يمثل الإيمان المسيحي على الإطلاق.
فالمسيحية لا تؤمن بالشرك بالله، ولا تؤمن بثلاثة آلهة، ولا تقول إن الله ثالث ثلاثة آلهة، وإنما تؤمن بإله واحد، واحد في الجوهر، مثلث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس.
ولهذا فإن ما يحاربه القرآن من تصور يقوم على تعدد الآلهة أو وجود إله مع الله أو وجود زوجة لله وولد منها، لا يمثل عقيدة الثالوث المسيحي.
والكتاب المقدس واضح في إعلانه الإيمان بإله واحد، فقد جاء في سفر التثنية: «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4)، كما يقول القديس بولس الرسول: «لَكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ» (1 كورنثوس 8: 6).
وعندما يقول القرآن في سورة النساء: «وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ» (النساء: 171)، أو يقول في سورة المائدة: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ» (المائدة: 73)، فإن المسيحية نفسها لا تؤمن بثلاثة آلهة، بل تؤمن بإله واحد.
أما عقيدة الثالوث المسيحي فهي شيء مختلف تمامًا؛ فالكنيسة تؤمن بإله واحد في الجوهر، مثلث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. ولذلك جاء في الإنجيل: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى 28: 19).
فالثالوث ليس ثلاثة آلهة، وليس ثلاثة أجزاء تكوّن الله، وليس علاقة جسدية بين أب وابن، وإنما هو سر إلهي تعلنه المسيحية: إله واحد في الجوهر، مثلث الأقانيم.
وأخيرًا، ليس معنى ما سبق أن القرآن والمسيحية متفقان في كل شيء، فهناك اختلافات جوهرية وعميقة بين العقيدتين، ولا سيما في أمور التجسد الإلهي، والفداء، والصليب، والقيامة، وأسرار الكنيسة وغيرها. وإنما المقصود هنا توضيح بعض النقاط التي قد يظن البعض أنها تمثل خلافًا بين القرآن والمسيحية، بينما هي في حقيقتها ليست من العقيدة المسيحية أصلًا.
وبركة السيدة العذراء مريم تكون معنا جميعًا.
العذراء التي تشرفت بلادنا العزيزة مصر بزيارتها مع ابنها ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح في رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر، بحسب الإيمان والتقليد المسيحي، هي أيضًا العذراء التي تحتفل الكنيسة بظهورها على قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968، في حدث ترك أثرًا عميقًا في وجدان الشعب المصري والكنيسة القبطية، ونطلب أن تبقى بركة الله على بلادنا الحبيبة مصر، وأن يحفظها الرب وشعبها.
كل عام وأنتم بخير، وبصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
بقلم
القس بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة





