مقالات الرأي

مريم بدران تكتب: التعليم بين الدعم والتثبيط: حين تتحول التجربة الأكاديمية إلى ضغط نفسي

 

في كثير من التجارب التعليمية، يُفترض أن تكون المدرسة أو الجامعة مساحة آمنة لبناء الإنسان وتطويره، لكن الواقع عند بعض الطلاب وخاصة الأجانب يكشف صورة أكثر تعقيدًا: ضغط دراسي، وأحيانًا تفاوت في المعاملة، وغياب الإحساس بالدعم الإنساني داخل العملية التعليمية.

▪︎ من رسالة التعليم إلى منطق (الإنجاز السريع)

أحد أبرز الإشكالات هو الطريقة التي يتم بها التعامل مع المناهج. ما يُفترض أن يُدرس خلال أسابيع من الفهم والتدرج، قد يُختصر في حصص قليلة أو حتى في حصة واحدة، وكأن الهدف هو إنهاء المحتوى وليس استيعابه.

هذا الأسلوب يخلق فجوة واضحة بين ما هو مطلوب نظريًا وما يمكن للطالب استيعابه فعليًا، ويجعل كثيرًا من الطلاب يشعرون أنهم في سباق دائم لا يسمح بالتفكير أو الفهم العميق.

 

▪︎ المعلم بين من يتذكر (التجربة) ومن (ينساها)

في التجربة التعليمية يظهر بوضوح اختلاف كبير في أساليب التعامل. هناك معلمون جيدون جدًا، يمتلكون فهمًا عميقًا لمعنى التعليم والإنسانية، ويتعاملون مع الطالب باعتباره مشروع إنسان يحتاج إلى بناء، لا مجرد متلقٍ للمعلومات. لديهم ضمير إنساني قبل أن يكون مهنيًا.

في المقابل، هناك من يتعامل مع العملية التعليمية بمنطق قاسٍ أو متعالٍ، وكأنه ينسى تمامًا أنه مر يومًا بتجربة الطالب بكل ما فيها من ضغط وصعوبة. هذا التباين يخلق فجوة كبيرة في تجربة التعلم، ويؤثر مباشرة على نفسية الطالب ودافعيته.

وفي بعض البيئات، قد يشعر الطالب أيضًا بعدم النظر إليه كإنسان كامل داخل المنظومة، سواء في أسلوب التعامل أو في مجموعة من المواقف ، ما يزيد من الإحساس بالضغط وعدم الأمان النفسي داخل المؤسسة التعليمية.

 

▪︎ الطالب الأجنبي: (طبقات إضافية من التعقيد) 

بالنسبة للطالب الأجنبي، تتضاعف التحديات بشكل واضح. فهناك حاجز اللغة، ثم اختلاف الثقافة، ثم اختلاف طرق التعليم نفسها عما اعتاد عليه. إضافة إلى ذلك، تظهر تحديات اجتماعية لا يمكن تجاهلها: صعوبة الاندماج أحيانًا، شعور بالعزلة داخل بعض البيئات الدراسية، أو عدم الترحيب الكافي من غالبية الزملاء. وفي بعض الحالات، قد تمتد هذه الصعوبات إلى أشكال من التمييز أو سوء الفهم أو التعامل غير المنصف.

هذه العوامل مجتمعة تجعل التجربة التعليمية أكثر إرهاقًا، وتحتاج إلى دعم مؤسسي حقيقي، لا مجرد وجود شكلي داخل القاعات الدراسية.

 

▪︎ بين الدعم والتثبيط: (مواقف تكشف أزمة في الفهم التربوي)

أحد أكثر الجوانب حساسية في التجربة التعليمية هو طريقة تعامل بعض الكوادر مع الطلاب عند عرض مشاكلهم أو طلب الدعم. المفترض أن يكون الرد تربويًا وإرشاديًا، لكن أحيانًا يتحول إلى ردود لا ترتبط بالسياق الأكاديمي، بل تقلل من أهمية الاستمرار في الدراسة أو تدفع نحو التخلي عن المسار التعليمي بدل تقديم حلول تساعد على التكيف. وفي بعض الحالات، خاصة مع الطالبات أو الطلاب غير المحليين، قد تُطرح حلول تبتعد عن الإطار الأكاديمي والتربوي، لتتحول من محاولة فهم المشكلة إلى طرح بدائل شخصية أو اجتماعية لا علاقة لها بالسياق الدراسي، مثل اقتراح التخلي عن الدراسة أو توجيه التفكير نحو الزواج أو الإنجاب كبديل عن مواصلة المسار التعليمي، بدل تقديم حلول تساعد على الاستمرار والتكيف.

أسلوب لا يراعي وضع الطالب كطالب يحتاج إلى توجيه ودعم، بل يعكس نقصًا في الفهم التربوي أو في الحس الإنساني المطلوب داخل هذه المواقف.

هذه التجارب، رغم اختلافها وتفاوتها، تكشف فجوة في فهم الدور الحقيقي للمعلمين أو المسؤولين الأكاديميين: هل هو دعم الطالب وتمكينه، أم دفعه لمغادرة المسار عند أول صعوبة؟

 

▪︎ البيئة التعليمية: (بين القدوة والواقع)

التعليم لا يقوم فقط على المناهج، بل على البيئة المحيطة. عندما تكون البيئة داعمة، يصبح التعلم أكثر استقرارًا وإنسانية. أما عندما يغيب هذا الإحساس بالدعم، تتحول التجربة إلى عبء نفسي قبل أن تكون تجربة أكاديمية. من المفترض أن يكون داخل المؤسسات التعليمية وعي واضح بدور القدوة، لأن تأثير المعلمين أو الإدارة لا يقتصر على شرح المادة، بل يمتد إلى تشكيل نظرة الطالب لنفسه ولمستقبله.

الخلاصة: التعليم كمسؤولية إنسانية قبل أن يكون نظامًا أكاديميًا

المشكلة ليست في التعليم كفكرة، بل في كيفية تطبيقه في بعض الحالات. عندما يتحول التركيز إلى السرعة بدل الفهم، وإلى السلطة بدل الإرشاد، يفقد التعليم جزءًا مهمًا من رسالته.

التعليم الحقيقي لا يُقاس فقط بكمية المعلومات، بل بقدرته على بناء إنسان قادر على التفكير، والتحمل، والتطور داخل بيئة آمنة ومحترمة، تحافظ على كرامة الطالب وتدعمه بدل أن تضاعف من أعبائه النفسية وتدفعه لارتكاب سلوكيات سيئة.

 

توقفوا عن السادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى