عرب وعالم

57 عامًا على إحراق المسجد الأقصى.. جريمة لا تغيب واعتداءات متواصلة على المقدسات

✍️ مصطفى بريقع فتحي

تحل اليوم، 21 أغسطس/آب 2026، الذكرى الـ57 لإحراق المسجد الأقصى المبارك، في مشهد لا يزال حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية، بعدما اندلعت النيران داخل المسجد في مثل هذا اليوم من عام 1969، في جريمة طالت أحد أبرز المقدسات الإسلامية في مدينة القدس المحتلة.

ففي صباح 21 أغسطس/آب 1969، أقدم المتطرف الأسترالي مايكل دينيس على إشعال النار عمدًا في الجناح الشرقي للمسجد الأقصى، ما أدى إلى أضرار واسعة طالت أجزاء من المبنى وسقفه وسجاده وزخارفه ومحتوياته، إضافة إلى احتراق عدد من المصاحف والأثاث والمعالم التاريخية.

النيران تلتهم معالم تاريخية داخل الأقصى

وأتت النيران على أجزاء مهمة من المسجد، من بينها مسجد عمر، الذي كان سقفه مكونًا من الطين والجسور الخشبية، إلى جانب أضرار لحقت بمحراب زكريا ومقام الأربعين وعدد من أروقة المسجد وأعمدته وأقواسه.

كما طالت النيران جزءًا من السقف الذي انهار خلال الحريق، وعمودين والقوس الحجري الكبير الواقع بينهما أسفل قبة المسجد، إضافة إلى عشرات النوافذ الخشبية.

وتضررت كذلك أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والجدران الجنوبية، فيما تحطمت عشرات النوافذ المصنوعة من الجص والزجاج الملون، واحترقت زخارف وآيات قرآنية ومقتنيات أخرى.

الفلسطينيون يهبون لإنقاذ المسجد

وفي مواجهة ألسنة اللهب، هب أبناء الشعب الفلسطيني لإنقاذ ما تبقى من المسجد الأقصى، كما وصلت سيارات الإطفاء من الخليل وبيت لحم ومناطق مختلفة من الضفة الغربية والبلديات العربية للمشاركة في إخماد الحريق.

وتشير الرواية الفلسطينية إلى أن سلطات الاحتلال تعمدت عرقلة عمليات الإطفاء، إلى جانب قطع المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد، فيما تأخرت مركبات الإطفاء التابعة لبلدية الاحتلال في القدس عن الوصول إلى موقع الحريق.

وبعد سنوات من العمل، جرى ترميم الأجزاء المتضررة وإعادة عدد من معالم المسجد وزخارفه إلى حالتها السابقة.

57 عامًا.. والحريق لم يكن نهاية الاعتداءات

وتعتبر فلسطين أن جريمة إحراق الأقصى لم تكن حادثًا منفصلًا، وإنما جاءت ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات والسياسات التي تستهدف مدينة القدس ومقدساتها وهويتها الإسلامية والمسيحية.

وخلال السنوات التالية، شهد المسجد الأقصى والمحيط المقدسي أحداثًا دامية ومواجهات متكررة، من بينها مذبحة الأقصى عام 1990، عندما وقعت مواجهات في ساحات المسجد، وأسفرت، وفق الرواية الفلسطينية، عن استشهاد 21 فلسطينيًا وإصابة نحو 150 آخرين واعتقال 270 شخصًا.

كما اندلعت هبّة النفق عام 1996 عقب افتتاح سلطات الاحتلال نفقًا أسفل البلدة القديمة والمسجد الأقصى، لتتحول المواجهات إلى صدامات واسعة أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

وفي عام 2000، شكّل اقتحام أرييل شارون لباحات المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول شرارة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي عُرفت باسم انتفاضة الأقصى.

تصعيد متواصل داخل المسجد الأقصى

وتأتي ذكرى إحراق المسجد الأقصى هذا العام في ظل تصاعد التوتر والانتهاكات في مدينة القدس ومحيط المسجد، خصوصًا منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير الفلسطيني، شهد النصف الأول من عام 2026 تصعيدًا في وتيرة ونوعية الاقتحامات، بما في ذلك أداء طقوس دينية يهودية علنية داخل باحات المسجد.

وبلغ عدد المقتحمين خلال النصف الأول من العام الجاري، وفق البيانات الفلسطينية، 25,604 مستعمرين، إضافة إلى 24,912 شخصًا دخلوا تحت مسمى “السياحة”.

كما أغلقت سلطات الاحتلال المسجد الأقصى بالكامل خلال الفترة من 28 فبراير/شباط إلى 9 أبريل/نيسان 2026، في أطول فترة إغلاق للمسجد منذ احتلال القدس عام 1967، بحسب التقرير.

وشهدت الفترة ذاتها محاولات لإدخال ما يسمى بـ”قربان الفصح”، إلى جانب محاولات لإدخال أدوات ومواد مرتبطة بالطقوس الدينية اليهودية إلى باحات المسجد.

مخاوف من تغيير الوضع القائم

وتقول الجهات الفلسطينية إن هذه التطورات تعكس مساعي لفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى، وتكريس ما تصفه بـالتقسيم الزماني والمكاني، وسط تصاعد الدعوات الإسرائيلية لإقامة طقوس ومظاهر دينية داخل باحات المسجد.

كما تحذر من محاولات ما تسمى بـ”منظمات الهيكل” إدخال أدوات دينية أكثر رمزية إلى المسجد، معتبرة أن ذلك يمثل تهديدًا مباشرًا للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.

وتؤكد الرواية الفلسطينية أن القدس الشرقية والمسجد الأقصى يواجهان مرحلة من التصعيد، في ظل استمرار الاقتحامات والإجراءات التي تؤثر على وصول المصلين الفلسطينيين إلى المسجد.

الأقصى.. ذاكرة جريمة ورسالة صمود

وبعد 57 عامًا على جريمة إحراقه، لا تزال ذكرى الحريق حاضرة بقوة في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، ليس فقط باعتبارها جريمة استهدفت مبنى تاريخيًا ودينيًا، وإنما بوصفها محطة ضمن تاريخ طويل من الصراع حول القدس ومقدساتها.

وتؤكد فلسطين تمسكها بالحفاظ على هوية المسجد الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني، ورفض أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابعه أو فرض وقائع جديدة داخله.

وتبقى صورة الفلسطينيين وهم يهرعون لإخماد النيران عام 1969 واحدة من أكثر الصور رسوخًا في ذاكرة القدس؛ صورة تختصر ارتباط شعب كامل بمقدساته، وتعيد في كل عام طرح السؤال حول مستقبل المسجد الأقصى والقدس في ظل استمرار الصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى