الرئيسيةمقالات الرأي

السيد خلاف يكتب: صقر الصحراء «الغنام».. وزيرًا.. لماذا؟

من ضابط في الجيش إلى قيادة «مستقبل مصر».. هل أصبح الغذاء سلاحًا في معركة الأمن القومي؟      

 

هناك قرارات تصدرها الدولة فتبدو، للوهلة الأولى، مجرد قرارات إدارية، وهناك قرارات أخرى، إذا وضعت يدك على تفاصيلها، تكتشف أنها تقول شيئًا أكبر بكثير من كلماتها الرسمية، وقرار إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ومنح رئيسه الدكتور بهاء الغنام درجة وزير، مع تبعية الجهاز مباشرة لرئيس الجمهورية، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إعادة هيكلة إدارية، وإنما باعتباره تحولًا استراتيجيًا يضع ملف الإنتاج والأمن الغذائي في قلب معادلة الأمن القومي المصري.

والسؤال هنا ليس: لماذا أصبح بهاء الغنام وزيرًا؟ فالرجل، القادم من القوات المسلحة، والذي أمضى سنوات في الخدمة العسكرية قبل انتقاله إلى قيادة مشروع «مستقبل مصر»، يملك خبرة ميدانية وتنفيذية جعلته أحد أبرز الوجوه المرتبطة بهذه التجربة.

لكن السؤال: لماذا احتاجت الدولة المصرية إلى أن ترفع «مستقبل مصر» إلى هذا المستوى من الاستقلال والقوة والصلاحيات؟ والإجابة، في تقديري، تبدأ من حقيقة واحدة: مصر لم تعد تتعامل مع الغذاء باعتباره سلعة فقط، وإنما باعتباره أحد عناصر القوة الوطنية، وجزءًا لا يتجزأ من أمن الدولة واستقلال قرارها.

ولهذا جاء القانون رقم 147 لسنة 2026 الخاص بإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ليضع الجهاز في موقع مختلف داخل منظومة الدولة، فلم يكتفِ بتغيير شكله الإداري، وإنما منحه شخصية اعتبارية مستقلة، واستقلالًا فنيًا وماليًا وإداريًا، وجعله تابعًا لرئيس الجمهورية مباشرة.

ومن هنا جاء القرار الجمهوري رقم 328 لسنة 2026 بتشكيل مجلس إدارة الجهاز برئاسة الدكتور بهاء الدين محمد عبدالغني الغنام، وعضوية عدد من الوزراء والخبراء والمتخصصين، وتصبح الصورة أكثر وضوحًا.

إذن نحن لا نتحدث عن جهاز زراعي بالمعنى التقليدي، وإنما أمام كيان أُعيد تصميمه ليعمل في مساحة تتقاطع فيها: الأرض والمياه والغذاء والطاقة والاستثمار والتصنيع واللوجستيات وإدارة الأصول والأمن الاقتصادي، وهذه الملفات، في دولة بحجم مصر، ليست ملفات اقتصادية منفصلة، وإنما هي في النهاية جزء من منظومة الأمن القومي.

              *****

لكن لماذا بهاء الغنام؟

هنا تبدأ القصة الأكثر إثارة، فالرجل لم يصل إلى موقعه من مكتب إداري بعيد عن الأرض، وإنما من المؤسسة العسكرية، ومن خبرة ميدانية ارتبطت بإدارة وتنفيذ مشروعات كبرى في بيئات صحراوية شديدة التعقيد.

 

الغنام، الذي جاء من قلب المؤسسة العسكرية في القوات الجوية ويصبح رئيسًا لجهاز مستقبل مصر..ثم وزيرا ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بمشروع «مستقبل مصر»، والتوسع الزراعي، ومشروع الدلتا الجديدة، ومشروعات الاستصلاح والتنمية في مناطق مختلفة.

وهنا ربما نفهم لماذا بدا انتقال «صقر الصحراء» من إدارة الأرض إلى موقع بدرجة وزير أمرًا يتجاوز الترقية الوظيفية.. فالرجل القادم من المؤسسة العسكرية يحمل معه ثقافة مختلفة في إدارة المشروعات الكبرى

: الانضباط، وسرعة التنفيذ، والقدرة على العمل في ظروف صعبة،وتحويل الخطط إلى واقع على الأرض.

ولم يكن اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل 2026، لمتابعة منظومة الأمن الغذائي بحضور الغنام، ومناقشة إنتاج وتوزيع السلع الاستراتيجية وتكوين مخزون آمن، في ظل تأثير الأحداث الإقليمية على الإمداد والتمويل، اجتماعًا عابرًا، وإنما كان يعكس انتقال ملف الأمن الغذائي إلى مستوى أكثر ارتباطًا بحسابات الدولة الاستراتيجية، وفي مشهد يؤكد موقع الجهاز داخل منظومة المشروعات القومية الكبرى.

 

             *****

«درجة وزير» ليست لقبًا، وهنا تحديدًا يجب ألا نتعامل مع عبارة «بدرجة وزير» باعتبارها مجرد تكريم إداري.

فالقانون نفسه نص على أن رئيس الجهاز يُعين بدرجة وزير، ويعامل المعاملة المقررة للوزراء..لكن المعنى السياسي والإداري لذلك أكبر من اللقب.

فالوزير التقليدي يعمل داخل وزارة لها اختصاص محدد، وهرم إداري معروف، ودوائر بيروقراطية وتشريعية ومالية.

أما رئيس جهاز «مستقبل مصر»، فيقود كيانًا ذا طبيعة خاصة، يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع باستقلال إداري وفني ومالي واسع.

 

وهنا تظهر فلسفة مختلفة: إنشاء ذراع تنفيذية تستطيع الدولة من خلالها التحرك بسرعة في الملفات التي تعتبرها استراتيجية، بعيدًا عن بطء الدورة الحكومية التقليدية.

 

وهذا هو أحد أهم مفاتيح فهم القرار.

فالدولة لا تمنح رئيس الجهاز درجة وزير لمجرد تغيير المسمى الوظيفي، وإنما ترفع مستوى القيادة بما يتناسب مع اتساع المهمة وحساسية الملفات التي أصبحت تدخل في نطاق عمل الجهاز.

لماذا الآن؟ ببساطة لأن العالم تغيّر..

الحرب الروسية الأوكرانية كشفت هشاشة تجارة الحبوب والطاقة، وأزمات البحر الأحمر أثبتت أن طرق الإمداد يمكن أن تتعرض للاضطراب في أي لحظة، والتوترات المتلاحقة في الشرق الأوسط جعلت الدول تعيد حساباتها بشأن الغذاء والطاقة والمياه وسلاسل النقل والتوريد.

في هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: هل تستطيع الدولة شراء الغذاء من الخارج؟ بل: ماذا لو تعذر الشراء؟ أو ارتفعت الأسعار عالميًا؟ أو توقفت خطوط الملاحة؟ أو حدثت أزمة في العملة أو التمويل؟ أو تحولت الحبوب والطاقة والمياه إلى أدوات ضغط سياسي؟

هنا يصبح امتلاك القدرة على الإنتاج والتخزين والتصنيع والنقل نوعًا من الاستقلال السياسي والاقتصادي،ولهذا لم يعد الأمن القومي المصري يبدأ عند الحدود فقط، قد يبدأ من صومعة قمح، ومن محطة مياه، ومن أرض مستصلحة  ومن مصنع غذائي، ومن شبكة طرق تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وهي كلها مكونات للقوى الوطنية للدولة.

وهذه هي النقلة الأهم في تجربة «مستقبل مصر»، فالفكرة لم تعد: نستصلح الأرض ونزرعها، وإنما: ننتج ونخزن ونصنع وننقل ونسوق، أي بناء سلسلة قيمة متكاملة.

وهذا فارق ضخم، لأن الدولة التي تنتج محصولًا دون تخزين تظل معرضة للخطر، والتي تخزن دون تصنيع تخسر جزءًا من القيمة المضافة، والتي تنتج وتصنع دون شبكة نقل ولوجستيات تظل أسيرة اختناقات السوق.

أما الدولة التي تملك المنظومة كاملة، فإنها تمتلك قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، وهنا تكمن أهمية «مستقبل مصر».

               *****

صقر الصحراء «الغنام» يدخل غرفة القرار، بهاء الغنام لم يعد فقط الرجل الذي يقود مشروعات زراعية في الصحراء، وإنما أصبح أحد أبرز الوجوه التنفيذية المرتبطة بملف الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في مصر.

والقرار الجديد يضعه في موقع أقرب إلى إدارة ملف اقتصادي استراتيجي متعدد القطاعات، وهذا يفسر، إلى حد كبير، لماذا جاء التشكيل الجديد لمجلس الإدارة بمزيج من الوزراء والخبراء والمتخصصين.

فالمسألة لم تعد زراعة فقط، وإنما: مياه وتموين وزراعة وتخطيط واستثمار وتمويل وتنمية وإدارة أصول.

وفي أبريل، عقدت وزارتا التموين والزراعة اجتماعًا مع الغنام حول تكامل منظومة الإنتاج والتوزيع وإدارة المخزون الاستراتيجي، في تأكيد جديد على أن مهمة الجهاز لم تعد محصورة في استصلاح الأرض وزراعة المحاصيل.

وهنا تصبح كلمة «مستقبل» في اسم الجهاز ذات دلالة تتجاوز الاسم نفسه، لأن الدولة لا تبنى فقط أراضي جديدة،

إنها تحاول بناء قدرة مصرية أكبر على الصمود أمام المستقبل.

ولكن.. هناك سؤال أكبر: هل نحن أمام جهاز زراعي ضخم؟ أم أمام نموذج جديد لإدارة جزء من الاقتصاد القومي؟

القانون يفتح للجهاز أبوابًا تتجاوز الزراعة التقليدية؛ فهو يمنحه صلاحيات واسعة في إنشاء الشركات والصناديق، وإبرام التعاقدات، واستثمار الأموال، وإدارة مناطق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات ، مع إنشاء صناديق تابعة للجهاز أحدها ذو طبيعة سيادية والآخر خدمي.

وهنا تحديدًا تصبح إعادة تنظيم الجهاز واحدة من التحولات المؤسسية التي تستحق القراءة، لأن الدولة المصرية تقول، من خلال هذا البناء التشريعي، إن بعض ملفات المستقبل لا يمكن أن تظل رهينة البطء الإداري التقليدي.

إنها تريد مؤسسة تنفيذية مرنة، ذات قدرة مالية وإدارية، وقادرة على التحرك في ملفات تعتبرها الدولة استراتيجية، وهذا هو جوهر الحكاية.

             *****

بهاء الغنام.. لماذا؟

لأن الرجل أصبح مرتبطًا بالتجربة التي يجري الآن توسيعها، من الصحراء إلى الدلتا الجديدة، ومن الزراعة إلى التصنيع، ومن الإنتاج إلى التخزين، ومن الغذاء إلى الطاقة، ومن المشروع الواحد إلى منظومة المشروعات، ومن «الجهاز» إلى الكيان الاقتصادي ذي الطبيعة الخاصة.

ولذلك فإن منح رئيس الجهاز درجة وزير لا ينبغي قراءته باعتباره مكافأة على ما مضى فقط، إنه، قبل كل شيء ، تفويض لما هو قادم.

فالرجل الذي بدأ مسيرته من القوات المسلحة، وعمل في بيئات صحراوية شديدة الصعوبة، يجد نفسه اليوم أمام مهمة مختلفة في حجمها، لكنها متصلة في جوهرها بفكرة واحدة: تحويل الإمكانات المصرية إلى قوة حقيقية على الأرض.

فالاختبار الحقيقي للدكتور بهاء الغنام لم يبدأ بقرار تعيينه.. بل بدأ الآن،

والمعركة الحقيقية ليست على الأرض فقط.. بل على المستقبل.

فمصر دولة تمتلك مساحة جغرافية هائلة، لكنها تواجه في المقابل محدودية الموارد المائية، وضغطًا سكانيًا متزايدًا، واحتياجات غذائية ضخمة، واعتمادًا لا يزال قائمًا على الواردات في عدد من السلع الاستراتيجية.

ولهذا فإن استصلاح ملايين الأفدنة ليس مجرد زيادة في مساحة الأرض الزراعية، إنه محاولة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للدولة.

وإذا نجحت المنظومة في تحويل الأرض الجديدة إلى إنتاج مستدام، ثم إلى تصنيع، ثم إلى قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات، فإن «مستقبل مصر» لن يكون مجرد مشروع زراعي كبير، بل سيكون نموذجًا جديدًا لإدارة جزء من القوة الاقتصادية للدولة.

أما التحدي الحقيقي، فيبقى في قدرة هذه المنظومة على تحويل اتساع الصلاحيات والاستثمارات والطموحات إلى نتائج اقتصادية مستدامة، وهو ما سيحدد في النهاية حجم التجربة وموقعها في الاقتصاد المصري.

وأخيرًا نقول إن السؤال الذي بدأنا به: لماذا بهاء الغنام وزيرًا؟

ربما تكون الإجابة الأقرب عليه: أن المهمة لم تعد إدارة جهاز، وإنما إدارة مرحلة يصبح فيها الأمن الغذائي جزءًا من الأمن القومي، والمياه جزءًا من الاقتصاد، والطاقة جزءًا من الإنتاج، والأرض جزءًا من القوة الوطنية، والاستثمار جزءًا من القدرة على الصمود.

وبالتالي فإن قرار منح رئيس الجهاز درجة وزير، ووضع الجهاز مباشرة تحت سلطة رئيس الجمهورية، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قرارًا إداريًا منفصلًا.

إنه جزء من إعادة صياغة أدوات الدولة في مواجهة عالم لم يعد فيه الغذاء مجرد غذاء، والطاقة مجرد طاقة، والمياه مجرد مياه..إنها أدوات قوة.

ولهذا ربما يكون السؤال الصحيح:

ليس.. لماذا أصبح بهاء الغنام وزيرًا؟

بل: ماذا تريد مصر من «مستقبل مصر» أن يفعل بعد أن أصبح رئيسه وزيرًا؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.. قصة ضابط في الجيش أصبح «صقر الصحراء».. وانتقل من معركة استصلاح الأرض إلى معركة بناء القوة الاستراتيجية للدولة .

حفظ الله مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى