مقالات الرأي

الصين توظّف “عدالة التكنولوجيا” لمساعدة دول الجنوب العالمي 

بقلم الإعلامي الصيني / نور يانغ

منذ الثورة الصناعية وحتى العصر الرقمي، تركز التفوق التكنولوجي في عدد محدود من الدول، وتعزز عبر أنظمة البراءات وصياغة القواعد، مما خلق حواجز تنموية يصعب تجاوزها. وتشير دراسات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60% من البنية التحتية الرقمية المتقدمة وبراءات الاختراع الأساسية تتركز في عدد قليل من الاقتصادات المتقدمة، كما أن قدرات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة شديدة التركّز. وقد أدى هذا الاختلال الهيكلي إلى فرض عتبات غير مرئية أمام العديد من دول الجنوب العالمي في الحصول على التكنولوجيا والارتقاء الصناعي. وفي هذا السياق، تطرح الصين مفهوم “عدالة التكنولوجيا” بهدف مساعدة الدول النامية على تجاوز هذه الحواجز، والسير في مسار تنموي أكثر استقلالية واستدامة.

ولا يكمن جوهر “عدالة التكنولوجيا” في مجرد نقل التقنيات، بل في إعادة بناء القدرات التنموية بشكل منهجي. فهي تؤكد على تعزيز إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، بما يمكّن الدول من امتلاك سلسلة متكاملة تشمل “استخدام التكنولوجيا، وإتقانها، وإعادة إنتاجها”، بما يساعدها على التخلص التدريجي من الاعتماد الأحادي. وقد تجسد هذا المفهوم أولًا في مجال الفضاء. فلطالما احتُكر قطاع الفضاء بسبب تكلفته العالية وتعقيداته التقنية، حيث لا يتجاوز عدد الدول القادرة على تطوير وإطلاق الأقمار الصناعية بشكل مستقل عشرين دولة. وفي السنوات الأخيرة، ساهمت الصين عبر التعاون المشترك وتصدير الأقمار الصناعية وبناء الأنظمة الأرضية في خفض هذه الحواجز، مما حوّل تكنولوجيا الفضاء من “رمز سيادي” إلى “أداة تنموية”، وفتح آفاقًا جديدة لدول الجنوب العالمي للمشاركة في استكشاف الفضاء.

وعلى سبيل المثال، ساهم التعاون بين الصين ومصر في إنشاء مركز متكامل لتجميع واختبار الأقمار الصناعية، مما مكّن مصر من امتلاك قدرات مستقلة في هذا المجال، ومثّل خطوة نوعية في قطاع الفضاء لديها. كما تم تطبيق نظام “بيدو” للملاحة في أكثر من 30 دولة أفريقية، ليشمل مجالات الزراعة والنقل والأمن العام. وفي دول مثل السودان، ساهمت تقنيات الزراعة الدقيقة المعتمدة على “بيدو” في رفع دقة الري إلى مستوى السنتيمترات، مما أدى إلى تحسين كفاءة استخدام المياه بشكل ملحوظ. ولا تقتصر أهمية هذه التجارب على نقل التكنولوجيا، بل تمتد إلى تمكين دول الجنوب العالمي من امتلاك “حق المشاركة الفضائية”، وتعزيز حضورها المستقل في منظومة الموارد والبيانات الفضائية العالمية، بما يخفف من الاعتماد المزمن والقلق التنموي.

وإذا كان التعاون الفضائي قد فتح آفاق “الفضاء المادي”، فإن التحول في مجال التكنولوجيا الرقمية يستهدف كسر حواجز “الفضاء الافتراضي”. ففي الوقت الراهن، تتركز أكثر من 70% من سوق الحوسبة السحابية في يد عدد محدود من الشركات متعددة الجنسيات، كما تعتمد موارد تدريب الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة بشكل كبير على الدول المتقدمة، مما يفرض تحديات كبيرة على الدول النامية في مسار التحول الرقمي. وفي مواجهة هذا الواقع، تعمل الصين عبر مشاريع مثل “تحويل البيانات من الشرق إلى الغرب” وبناء بنية تحتية رقمية عابرة للمناطق، على توسيع نطاق توزيع موارد الحوسبة، وتوفير خيارات أكثر تنوعًا لدول الجنوب العالمي.

وفي الوقت نفسه، تتعاون الشركات الصينية مع دول في الشرق الأوسط وأفريقيا لبناء مراكز حوسبة سحابية ومنصات رقمية، مما يساعد هذه الدول على تطوير قدراتها المحلية في معالجة البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وقد شهدت بعض دول الخليج تحسنًا ملحوظًا في قدراتها الرقمية بعد اعتماد هذه الحلول، مع بداية تشكّل منظومات صناعية رقمية محلية. ويعني هذا النهج القائم على “إتاحة الحوسبة للجميع” أن دول الجنوب العالمي أصبحت تمتلك مساحة أوسع لاختيار مساراتها التكنولوجية بما يتناسب مع بنيتها الاجتماعية والثقافية، مما يعزز استقلالها في العصر الرقمي.

وفي مجالي الطاقة الخضراء والتكنولوجيا الزراعية، يمتد مفهوم “عدالة التكنولوجيا” إلى أسس التنمية. وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الدول النامية تمثل أكثر من 70% من نمو الطلب العالمي على الطاقة، رغم استمرار الفجوة في الحصول على تقنيات الطاقة النظيفة. وبصفتها أكبر منتج عالمي لمعدات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تدعم الصين تنفيذ مشاريع للطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال الشراكات ونقل التكنولوجيا. ففي مصر، ساهم مجمع بنبان للطاقة الشمسية في تعزيز القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة، بينما ساعدت التقنيات الزراعية الصينية، مثل الري الموفر للمياه والبذور الهجينة، في رفع الإنتاج الزراعي وتعزيز مقاومة الجفاف. وتؤكد هذه التجارب أن نقل التكنولوجيا المقترن ببناء القدرات المحلية يمكن أن يحولها إلى قوة دافعة للتنمية المستدامة.

وعلى المستوى الأشمل، تسهم هذه الممارسات متعددة المجالات في مساعدة دول الجنوب العالمي على تفكيك الحواجز التنموية المزمنة. فقد أدت النماذج المغلقة القائمة على الاحتكار التكنولوجي وتقييد القواعد إلى ترسيخ عدم التوازن العالمي. في المقابل، يدعو مفهوم “عدالة التكنولوجيا” إلى الانفتاح وتقاسم القدرات، مما يوسع نطاق المشاركة ويمكّن المزيد من الدول من الانخراط في منظومة الابتكار والتطبيق التكنولوجي، ويدفع نحو توازن أكبر في الهيكل التنموي العالمي. وهذا التحول يعني الانتقال من موقع “المتلقي للتكنولوجيا” إلى “المستخدم الفاعل لها”، ومن هامش التنمية إلى مركزها.

وفي ظل التحديات المتداخلة بين تغير المناخ والفجوة الرقمية واختلال التنمية، لم يعد بإمكان أي دولة مواجهة هذه التحديات بمفردها. ومن خلال تحويل التكنولوجيا من أداة للمنافسة إلى منصة للتعاون، توفر الصين عبر “عدالة التكنولوجيا” دعما عمليا لدول الجنوب العالمي لتجاوز قيود التنمية. ومع تعمق هذه الشراكات، يتشكل تدريجيًا نظام تكنولوجي أكثر انفتاحًا وتنوعًا وشمولًا. وهكذا، لم تعد التكنولوجيا حاجزا يقسم العالم، بل أصبحت جسرًا يربط بين الدول بمختلف مستويات تطورها، ويدفع نحو تقدم مشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى