مقالات الرأي

السيد خلاف يكتب :الخليج بين نار إيران وخداع ترامب..أسرار زيارة السيسي إلى أبوظبي ومسقط !

 الزيارة التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الإمارات وسلطنة عمان ، والإعلان عن تواجد قوات مصرية في أبوظبي، ولأول مرة تحمل دلالات كبيرة ورسائل سياسية و اضحة .

وفي المجمل تتحرك مصر لمنع انفجار الخليج وتحويله إلى منصة حرب ضد إيران وتصاعد التهديدات والانقسام الإقليمي في الشرق الأوسط .

 ولا يمكن قراءة تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة ثم سلطنة عمان ، بمعزل عن مجمل الأوضاع الأمنية والإقليمية في المنطقة،والتصعيد الأمريكي-الإسرائيلي المتزايد ضد إيران، ولا بعيدًا عن حالة التناقض الحادة داخل الاستراتيجية الأمريكية ،وتناقضات ترامب بين التفاوض والتهدئة والتلويح بالحرب وتوجيه ضربات عسكرية.

 

واشنطن تتحدث عن منع الحرب ، لكنها في الوقت نفسه تحشد عسكريًا،

وتفتح قنوات تفاوض، لكنها لا توقف سيناريوهات الضربات، وترسل رسائل تهدئة، بالتوازي مع رسائل ردع بالنار.

وهنا تتحرك القاهرة،ليس باعتبارها طرفًا في مشروع الحرب، بل باعتبارها قوة إقليمية تحاول منع تحول الخليج إلى مركز الانفجار القادم.

 

الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تدير مسارين متناقضين في وقت واحد،

مسار تفاوضي ورسائل تهدئة عبر الوسطاء، ومسار عسكري قائم على التهديد الجدي باستخدام القوة.

 

هذا التناقض لا تراه طهران مجرد مناورة سياسية، بل تعتبره محاولة لفرض شروط بالقوة تحت غطاء التفاوض أو البارود أو كلاهما معا .

 

أما دول الخليج، فهي تدرك أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في قرار الحرب، بل في مكان انطلاقها،لأن أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية تنطلق من قواعد أو أراضٍ خليجية ستعني تلقائيًا أن الرد الإيراني يتوجه إلى الخليج نفسه.

وهنا تبدأ أهمية التحرك المصري.

لماذا ذهبت القاهرة أولًا إلى أبوظبي؟

زيارة الإمارات العربية المتحدة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية أو اقتصادية، بل حملت أبعادًا أمنية وعسكرية عميقة.

القاهرة أرادت أن توجه رسالة طمأنة واضحة للإمارات والخليج مفادها:

أن مصر لن تترك الخليج وحده إذا تعرض لتهديد مباشر.

ومن هنا برزت مؤشرات الحديث عن تنسيق أو وجود عسكري مصري داخل الإمارات في وجود السيسي وبن زايد، في إطار مفهوم “مسافة السكة”، باعتبار أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري.

لكن خلف هذه الطمأنة كانت هناك رسالة مصرية أخرى أكثر حساسية:

ضرورة عدم السماح باستخدام الأراضي الخليجية، خصوصًا الإماراتية، كمنصة لتوجيه ضربات ضد إيران.

القاهرة تدرك أن أخطر سيناريو يمكن أن تقع فيه المنطقة هو تحويل الخليج إلى غرفة عمليات للحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد طهران.

لأن ذلك يعني عمليًا:دخول الخليج مباشرة في بنك الأهداف الإيرانية،

وفتح باب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة،وتهديد منشآت النفط والطاقة،وضرب الملاحة في الخليج وباب المندب،وإشعال ساحات اليمن والعراق ولبنان وربما سوريا.

 

بمعنى أكثر وضوحًا، فإن الرسالة المصرية لأبوظبي والخليج كانت:

“سنقف معكم إذا تعرضتم للخطر، لكن لا تضعوا أنفسكم في قلب المعركة”

“مسافة السكة”، لكن وفق الحسابات المصرية.

وحين تحدث عبد الفتاح السيسي سابقًا عن أن “مسافة السكة” مع الخليج عقيدة أمن قومي، كان المقصود أن مصر لن تسمح بتهديد مباشر للعواصم الخليجية.

 

والقاهرة هنا تفرق بوضوح بين:

حماية الخليج إذا تعرض لهجوم ،

وبين التورط في حرب هجومية لإعادة تشكيل المنطقة أو إسقاط إيران.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية، فبعض القوى الإقليمية ترى أن لحظة المواجهة مع إيران أصبحت ضرورة استراتيجية، بينما ترى القاهرة أن تفجير إيران أو إسقاط النظام هناك قد يفتح أبواب فوضى إقليمية أخطر بكثير من بقاء الأزمة الحالية.

 

القاهرة تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة: ماذا سيحدث للملاحة؟ وماذا سيحدث للبحر الأحمر؟ وماذا سيحدث لأسعار الطاقة والغذاء؟ وماذا سيحدث لإيرادات قناة السويس؟ وماذا سيحدث إذا تحولت المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة؟

ولهذا تتحرك مصر بمنطق “احتواء الانفجار” لا بمنطق “إدارة الحرب”.

 

لماذا كانت سلطنة عمان المحطة الأخطر؟ 

إذا كانت أبوظبي محطة الطمأنة، فإن سلطنة عمان كانت محطة الرسائل الهادئة،كون مسقط تاريخيًا تمثل قناة الاتصال الخلفية بين واشنطن وطهران، وغالبًا ما لعبت دور الوسيط في أكثر اللحظات تعقيدًا بين الطرفين.

 

ولهذا فإن زيارة القاهرة إلى عمان في هذا التوقيت تبدو شديدة الدلالة ، كون مصر على الأرجح أرادت عبر البوابة العمانية تمرير رسائل متعددة:

-أن القاهرة لا تؤيد تحويل الخليج إلى منصة حرب ضد إيران.

-وأنها تفضّل التهدئة ومنع الانفجار الشامل.

-وأن أي رد إيراني على دول الخليج سيؤدي إلى انهيار استقرار المنطقة كلها.

-وأن مصر تحاول إبقاء العواصم الخليجية خارج دائرة الاستهداف المباشر.

بمعنى آخر، كانت القاهرة في زيارة السيسي تحاول رسم “خطوط حمراء غير معلنة” بين واشنطن وطهران عبر الوسيط العماني، ومن هنا فإن مصر تتحرك كقوة توازن لا كطرف اشتباك .

 

وفي القراءة الأعمق للتحرك المصري تقول إن القاهرة لا تريد الاصطفاف داخل مشروع الحرب، لكنها أيضًا لا تستطيع ترك الخليج مكشوفًا، ولهذا تتحرك على خطين متوازيين:

طمأنة الحلفاء الخليجيين، ومنع تحولهم إلى قواعد اشتباك مع إيران.

 

ومن هنا تبدو تحركات عبد الفتاح السيسي بين أبوظبي ومسقط وكأنها محاولة لإدارة أخطر معادلة في الشرق الأوسط الآن، ألا وهي :

كيف تحمي الخليج دون إشعال الخليج؟ وكيف تحافظ على التزامات “مسافة السكة” دون أن تتحول مصر نفسها إلى طرف مباشر في حرب أمريكية-إسرائيلية قد تعيد رسم خرائط المنطقة لعقود طويلة قادمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى