مقالات الرأي

الدكتور عادل عامر يكتب: تحولات القوة بين إسرائيل وإيران وأمريكا

 

أعادت الحرب المباشرة تشكيل موازين القوى بين المحاور الثلاثة؛ إذ أثبتت إيران قدرتها على الصمود الاستراتيجي ومنع الخصوم من تحقيق انتصار حاسم، في حين كشفت المواجهة عن اعتماد إسرائيل الكلي على الغطاء العسكري والسياسي الأمريكي، مما أدى إلى تحولات حادة في المعادلات السياسية والعسكرية بالمنطقة

 

دخلت الولايات المتحدة الحرب على أساس فرضية واضحة: توجيه ضربة مركزة للبنية القيادية والعسكرية الإيرانية، وإحداث خلل استراتيجي يدفع طهران إلى قبول شروط جديدة تتعلق ببرنامجها النووي، وترسانتها الصاروخية، ونفوذها الإقليمي، وفي المحصلة تعلن الاستسلام. غير أن الحرب كشفت سريعًا أن هذه الفرضية لا تنسجم مع طبيعة القوة الإيرانية.

 

 فإيران لم تدخل المعركة بهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر بل بهدف منع خصمها من تحقيق نصر حاسم. وهذه نقطة مركزية؛ لأن منع الهزيمة، في الحروب غير المتكافئة، يوازي في أثره الانتصار.

 

لقد أثبتت إيران خلال هذه الحرب أن مفهوم الردع لم يعد قائمًا فقط على حجم القوة العسكرية بل على القدرة على امتصاص الضربة الأولى، وإطالة أمد الصراع، ورفع كلفته على الخصم. هذا ما يفسِّر كيف استطاعت طهران تحويل الحرب من مشروع أمريكي للحسم السريع إلى حرب استنزاف مفتوحة؛ حيث بات الزمن يعمل ضد واشنطن أكثر مما يعمل ضد طهران.

 

كما واجهت إسرائيل ضربات صاروخية وصلت لمناطق مختلفة من الأراضى المحتلة، وهو ما يفترض أن يدفع نتنياهو إلى ضرورة مراجعة الادعاء بقدرته على تغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيله، حيث تم كسر هذا الغرور.

 

ومنذ أكتوبر 2023، كان الدعم الأمريكى الاقتصادى والعسكرى الأمريكى هو الذى يمكّن إسرائيل من الاستمرار فى عدوانها على غزة، وشن حرب إبادة طوال أكثر من عامين، ولولا الدعم الأمريكى، ما استطاعت إسرائيل لأيام، حتى فى مواجهة حزب الله، وبالتالى فإن على الاحتلال أن يراجع نفسه ويخضع لتحولات تفرض عليه العيش فى الإقليم ضمن نظام لا يقوم على القوة، ولكن على التوازن، حيث تصبح الرؤية المصرية للسلام، أن تكون هناك دولة فلسطينية تضمن الاستقرار الحقيقى، ومن دون هذا لن تكون إسرائيل قادرة على الاستمرار، وعلى إسرائيل أن تعيد اكتشاف وتقديم قيادات جديدة تعيد تيار سلام وتعايش بعيدا عن اليمين المتطرف الذى يعيش على الحرب، ويعتمد كليا على الدعم والحماية الأمريكية.

 

الأمر ذاته ينطبق على إيران التى ظلت تعلن قدرتها على إبادة الأعداء بينما واجهت اختبارا صعبا، حيث تم اغتيال قيادات الصف الاول، وعدد من كبار القيادات المؤسسة بمن فيهم المرشد الأعلى السابق، بجانب قيادات عسكرية وسياسية، وهو ما يكشف عن اختراقات معلوماتية وأمنية كبيرة ظهرت منذ بدايات الحرب واغتيال هنية داخل طهران، وما رافقه من اغتيالات واختراقات لحزب الله، تشير إلى تغلغل اسرائيلى داخل قلب الأجهزة الإيرانية، وهذه التحولات تفرض على القيادات السياسية إعادة النظر فى التوجهات الجديدة للتعامل مع الإقليم ومع العالم بشكل يختلف عما كان على مدى عقود، حيث سيكون على إيران الخروج من النظام المغلق إلى النظام الطبيعى،

 

 وهو أمر سينعكس على الخارج، وأيضا على الداخل، بشكل يفرض ضرورة تغيير الخطاب الحربى التعبوى إلى خطاب طبيعى اقتصاديا وسياسيا، بشكل يرتب نوعا من الانفتاح وأيضا الخطاب المحلى لجمهور ينتظر تغييرا فى واقعه الاقتصادى والاجتماعى، بعد عقود من الحياة ضمن واقع تعبوى واقتصاد حرب.

 

مثل فشل إسرائيل فى معرفة ومواجهة عملية طوفان الأقصى فى 7 أكتوبر 2023 -بحسب التقدير الإسرائيلى- الخطر الوجودى للعقد الاجتماعى الذى قامت عليه دولة إسرائيل، وهو توفير الأمن للمواطنين باعتباره الأساس الذى يستحوذ على العقلية الإسرائيلية، ما نتج عنه أكبر هجرة عكسية منذ نشأة الدولة عام 1948.

 

ولمعالجة هذا التطور ووضعية الدولة فى إقليم يتسم بالعداء الفارسى فى المقدمة، كان توجه ورؤية المستوى السياسى فى إسرائيل تشكيل شرق أوسط جديد قائم على تغيير البيئة الإقليمية يضمن تفوقا استراتيجيا طويل الأمد لإسرائيل، مع إضعاف الدول المركزية فى المنطقة، وكانت إيران فى مقدمة الأهداف الإسرائيلية لإحداث هذا التغيير.

 

ووفق تحليلات إسرائيلية، فإن تقليص موارد الصين من الطاقة سيؤدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاجها، وبالتالى فقدان عامل مهم من عوامل قدرتها التنافسية، ويخدم، فى الوقت ذاته، سياسة الإدارة الأمريكية، فضلا عن توافر المعادن النادرة والليثيوم فى إيران الذى شكل نقطة محورية فى الوضع الجيولوجى والاقتصادى لإيران ونفوذها فى المستقبل.

 

كانت إسرائيل على مدى سنوات تصف علاقاتها بالولايات المتحدة على أنها قائمة على القيم المشتركة وخدمة المصالح الأمريكية فى المنطقة، والعمل معا على إضعاف دور المنظمات الدولية التى تتخذ دائما مواقف تتعارض مع السياسات والمواقف الإسرائيلية. بيد أن الحرب الجارية مع إيران كانت بمنزلة تحول نوعى غير مسبوق فى طبيعة العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية، وفى أنماط وأسس الصراع فى الشرق الأوسط، حيث إنه للمرة الأولى يقود الجانبان حربا مشتركة من حيث التخطيط والتنفيذ، خروجا عن القاعدة العامة المتمثلة فى الدعم السياسى التقليدى الذى تمنحه واشنطن لتل أبيب،.

 

 والمظلة والمساندة فى المنظمات الدولية، فضلا عن إمدادها بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية، ومنحها التفوق النوعى على مجمل الدول العربية فى الحصول على السلاح – بموجب قرار من الكونجرس الأمريكى، إضافة إلى اتفاق البلدين على ضرورة إسقاط النظام الإيرانى، وفرض مفهوم السلام باستخدام القوة

 

وبالفعل أشاد غالبية المراقبين العسكريين في العالم بالذخيرة والطائرات الأمريكية التي استخدمتها إسرائيل في الهجوم على إيران؛ حيث كانت الإصابات دقيقة بالرغم من أن الضربات كانت على بُعد 1500 كيلومتر في مناطق غرب طهران، ووصلت إلى نحو 2000 كيلومتر في الأهداف داخل طهران التي تقع شرق الحدود العراقية بنحو 450 كيلومتراً، فضلاً عن أن منظومات الدفاع الأمريكية الشهيرة مثل “باتريوت” و”ثاد” أدت دوراً كبيراً في إسقاط الصواريخ البالستية والطائرات المُسيَّرة الإيرانية؛ حيث يُعد نظام “باتريوت” الأفضل عالمياً لإسقاط الصواريخ والمقذوفات على ارتفاعات متوسطة، بينما يقوم نظام “ثاد” بدور بارز في إسقاط الصواريخ بعيدة المدى وفرط الصوتية. وهناك مؤشرات تقول إن الطلب على الأسلحة الأمريكية سوف يزداد بعد نهاية الحرب الإسرائيلية الإيرانية؛ ولهذا ينظر ترامب إلى انتصار تل أبيب في هذه المواجهة باعتباره انتصاراً وتفوقاً للسلاح الأمريكي.

 

 تغيير في الأدوات والأهداف: يكشف تحليل تصريحات وقرارات ترامب تجاه إيران منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير الماضي، عن تغيير كامل في الأدوات والأهداف التي يؤمن بها ويعمل عليها. فالأهداف في ولاية ترامب الأولى ركزت على التوصل إلى اتفاق مع إيران أكثر قوة من اتفاق (5+1) الذي وقّعه الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، في يوليو 2015، وانسحب منه ترامب لاحقاً في مايو 2018، وكانت الأهداف تتعلق وقتها بتجنب الأخطاء التي كان يراها ترامب في اتفاق 2015. واقتصرت أدوات ترامب في ولايته الأولى على الضغط الاقتصادي والدبلوماسي عبر سياسة “العقوبات القصوى” على طهران بدايةً من نوفمبر 2018، وتصفير مبيعات النفط والغاز الإيرانية. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض هذا العام، تغيرت الأدوات إلى إمكانية استخدام القوة والعمل العسكري، بجانب الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، وتحولت الأهداف من مجرد تحسين اتفاق عام 2015 إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل على غرار تفكيك نظيره الليبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى