أبو أميرة الجزائري يكتب : حين يدخل القاموس إلى قاعة المحكمة… وتسقط أوهام القرن العشرين

في صبيحة 07 مايو 2026، وفي صمت رسمي مهيب بمقر إقامة القضاة بالجزائر، سقط جدار آخر من جدران القرن العشرين. جدار كان يقول: “العدالة بلغة واحدة”. جدار كان يوهم أن لغة المحكمة مقدسة لا تُمس، وأن المواطن هو من يجب أن يترجم نفسه، لا الدولة.
تنصيب اللجنة المصغرة المشتركة لإعداد القاموس المرجعي العربي-الأمازيغي للمصطلحات القانونية والقضائية ليس خبراً إدارياً عابراً. إنه إعلان موت فكرة… وولادة دولة.
أولاً: ماذا يعني أن نُقعد اللغة في المحكمة؟،
يعني أننا نعترف أخيراً أن “المواطن” ليس كائناً مجرداً يتكلم لغة المرسوم. بل هو أمازيغي في بجاية، شاوي في الأوراس، مزابي في غرداية، تارقي في تمنراست. وحين يقف أمام القاضي متهماً أو ضحية، فمن حقه أن يفهم كلمة “جناية” دون مترجم، وأن ينطق “استئناف” دون أن يشعر أنه يتسول العدالة بلغة ليست لغته الأم.
لسنوات، كنا نضحك على أوروبا التي توفر مترجماً للاجئ أفغاني في محكمة برلين، ونحن لا نوفر مصطلحاً قانونياً موحداً لابن الجزائر العميقة. هذه هي الفضيحة التي جاء القاموس ليدفنها.
ثانياً: لماذا هذا يرعب بقايا الأيديولوجيا؟،
لأن اللغة سلطة. ومن يملك تسمية الأشياء يملك الحكم عليها. حين توضع كلمة “قانون” بالأمازيغية في حكم قضائي، فأنت تقول ضمناً: هذه الأرض لها ذاكرة قانونية سابقة للتعريب، سابقة للفرنسة. أنت تكسر احتكار القداسة.
البعض سيصرخ: “ستفككون وحدة القضاء”. الجواب: وحدة القضاء لا تعني وحدة اللسان، بل وحدة المعيار. وسويسرا تحاكم بأربع لغات ولم تتفكك. وكندا تكتب الحكم بالإنجليزية والفرنسية ولم تسقط. التفكك الحقيقي هو حين يشعر المواطن أن العدالة تتكلم لغة لا تفهمه.
ثالثاً: المنهجية المذكورة في البيان… هي الأخطر،
انتبهوا جيداً: اللجنة لن “تخترع” مصطلحات. البيان يقول: _جرد وانتقاء المصطلحات الأساسية ثم التدقيق اللغوي والقانوني ثم المصادقة العلمية_.
ترجمة: سيتم نبش الذاكرة القانونية الأمازيغية. سيُسأل الشيوخ عن كيف كانوا يسمون “العقوبة” قبل 1830. سيُستخرج من الشعر والقانون العرفي “أزرف” ما يقابل “الاجتهاد القضائي”. هذا ليس قاموساً. هذا حفر أركيولوجي في سيادة مهمشة.
رابعاً: هذه ليست قضية “لهجة” بل قضية دولة،
الإنجليزية كانت لهجات جرمانية متناحرة قبل أن يوحدها قاموس أكسفورد.
العبرية كانت لغة طقوس ميتة قبل أن يحييها بن يهودا في المحاكم والكنيست. كل اللغات كانت “لهجات” قبل أن تقرر الدولة أنها “لغة”.
الفرق بين اللهجة واللغة ليس في اللسان، بل في القصر. حين تدخل الكلمة قاعة المحكمة، تخرج منها لغة. والقاموس المذكور هو مرسوم ترقية من “لهجة البيت” إلى “لغة الدولة”.
وهنا لا بد من التنويه بصدق لجهود السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في جعل “الجزائر الجديدة” واقعاً لكل الجزائريين.
إن خطوة تقعيد اللغة الأمازيغية في جهاز العدالة تندرج ضمن رؤيته لجزائر متصالحة مع كل مكوناتها الهوياتية والذاكراتية. فبتكريسه أن السيادة تبدأ من كرامة المواطن اللغوية أمام القضاء، يكون الرئيس قد حوّل التزاماً دستورياً إلى فعل ميداني.
وسيسجل التاريخ أنه في عهدته توقفت العدالة عن أن تكون خطاباً من طرف واحد، لتصبح حواراً مع الشعب بكل لغاته. وهذا الإنجاز يُحسب له تاريخياً، لأنه جعل من “الجزائر الجديدة” ليس شعاراً، بل حقاً يعيشه كل جزائري من تمنراست إلى تيزي وزو.
*الخلاصة الزلزالية: 07 ماي 2026 ليس تاريخ تنصيب لجنة. إنه تاريخ توقيع شهادة وفاة لعقلية ما بعد الاستقلال التي ظنت أن الوحدة تعني الإلغاء.
الرسالة اليوم: الجزائر الألفية الثالثة لن تُبنى بمحو ذاكرتها، بل بإدماج كل ذاكراتها تحت سقف العدالة الواحدة.
والسؤال الذي يجب أن يخيف الجميع: إذا كانت الدولة مستعدة لتقعد لغة في القضاء… فما الذي يمنعها غداً من تقعيد السيادة الاقتصادية؟ والتكنولوجية؟ والعسكرية؟
القاموس قادم. ومعه، تسقط مسرحية “الأمازيغية ليست لغة”.
وحين تتكلم المحكمة بالأمازيغية، فاعلم أن الدولة قررت أخيراً أن تكون جزائرية بالكامل… لا بالتقسيط.




