مصر تكتب روايتها… القلم الذي يحرس الذاكرة قبل السيف

كتبت:إيمان خالد خفاجي
تُجسّد الكتابة لدى المصريين فلسفة متكاملة لفهم الدولة والإنسان والزمن، فقد أدرك المصري القديم مبكرًا، قبل أن يعرف العالم معنى الوثيقة بآلاف السنين، أن الأمم التي لا تكتب تاريخها تتركه لغيرها، وحين تُنزع الرواية من أصحابها تنتقل إلى خصومهم، فيُعاد تشكيل الوقائع وفق الأهواء، وتُطمس الحقائق، وتُصنع ذاكرة مشوّهة للأجيال.
من هنا لم يكن غريبًا أن تكون مصر أول دولة تجعل من الكتابة ركيزة للحكم، ومن البردي سجلًا للحياة، ومن النقش على الحجر عهدًا ممتدًا بين الأحياء ومن سيأتي بعدهم. فالدولة المصرية لم تُبنَ بالسيف وحده، بل تأسست أيضًا على القلم، حيث ظل الاثنان شريكين؛ أحدهما يحرس الحدود والآخر يحرس الذاكرة. ولهذا بقيت مصر، بينما اندثرت إمبراطوريات امتلكت القوة العسكرية لكنها فقدت روايتها.
ويُعدّ المفكر جمال حمدان من أبرز من فهموا هذه الحقيقة، حين وصف مصر بأنها ليست مجرد دولة، بل ظاهرة حضارية فريدة، محكومة بتاريخها وموقعها بأن تبقى قوة مؤثرة، لأن ضعفها يختل معه توازن الإقليم بأكمله. كما سبق أن بلورت مصر، قبل ماكس فيبر بقرون، نموذج الدولة المركزية المنظمة التي عرفت الإدارة والقانون والجيش والكتابة، وربطت التاريخ بالأمن القومي قبل أن يُصاغ هذا المفهوم بوقت طويل.
في هذا السياق يأتي كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» باعتباره محاولة واعية لتوثيق الرواية المصرية من داخلها، لا مجرد سيرة تقليدية، بل وثيقة وطنية تسعى إلى قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة.
ويبرز في هذا العمل دور الهيئة الوطنية للصحافة في إطلاق مشروع توثيقي موسّع شارك فيه نخبة من الباحثين والكتاب والصحفيين، ليخرج الكتاب بصيغة جماعية تعكس رؤية مؤسسة لا اجتهاد فرد واحد، في محاولة لصياغة شهادة وطنية أقرب إلى الوثيقة التاريخية منها إلى السرد التقليدي.
منذ صفحاته الأولى، يلفت الكتاب النظر إلى العلاقة بين الإنسان والتاريخ، فلا يبدأ من منصب سياسي، بل من البيئة الاجتماعية في حي الجمالية، حيث تشكلت ملامح النشأة داخل مجتمع مصري متداخل بين الدين والحرفة والحياة اليومية، بما أسّس لبنية قيمية رافقت الشخصية في مراحلها المختلفة.
ويعرض الكتاب مسار التكوين داخل المؤسسة العسكرية باعتبارها مدرسة للانضباط والمسؤولية، حيث تتشكل مفاهيم القيادة والصبر واتخاذ القرار، ويتحول الوطن إلى فكرة مركزية تتجاوز الأشخاص.
كما يتوقف عند لحظة يونيو 1967 بوصفها محطة فاصلة في الوعي الوطني، دفعت كثيرين إلى اختيار المؤسسة العسكرية باعتبارها مسار انتماء قبل أن تكون مهنة. ثم يتتبع سنوات التكوين داخل الجيش بما حملته من تراكم معرفي وخبرات شكلت الشخصية القيادية.
ويطرح الكتاب قراءة معمقة لطبيعة القرار في لحظات التحول الكبرى، خاصة خلال أحداث 30 يونيو، حين واجهت الدولة اختبارًا وجوديًا حقيقيًا، لم يكن مجرد أزمة سياسية، بل تهديدًا لبنية الدولة نفسها في ظل إقليم مضطرب وانهيارات متلاحقة في دول عدة.
ومن هذا المنطلق ينتقل السرد من سيرة الفرد إلى سيرة الدولة، موضحًا كيف تتداخل الإرادة السياسية مع إرادة المجتمع، وكيف تُدار الدولة في لحظات الاستثناء التاريخي.
كما يعرض الكتاب مرحلة ما بعد 30 يونيو، حيث واجهت الدولة تحديات الإرهاب وإعادة بناء المؤسسات، في وقت لم يكن فيه الصراع أمنيًا فقط، بل وجوديًا مرتبطًا ببقاء الدولة الوطنية. ويربط بين المواجهة الأمنية ومسار التنمية، باعتبار أن استعادة الاستقرار كانت شرطًا لإطلاق مشروعات الدولة.
وفي هذا الإطار، يبرز أن الأمن لم يُطرح كغاية، بل كبيئة تسمح بالبناء، سواء في الاقتصاد أو التعليم أو العمران أو الإدارة.
وينتقل الكتاب إلى ملف الإصلاح التشريعي، معتبرًا أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من القانون، حيث تمت إعادة صياغة منظومة تشريعية واسعة شملت مجالات الاقتصاد والاستثمار والصحة والتعليم والإدارة المحلية، في إطار رؤية شاملة لإعادة تأسيس قواعد الدولة.
ثم يتناول المسار الاقتصادي باعتباره جزءًا من مشروع أشمل لاستعادة القدرة على اتخاذ القرار الوطني، متزامنًا مع إطلاق مشروعات قومية كبرى وتطوير البنية التحتية والتوسع العمراني.
كما يسلط الضوء على برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها مبادرة «حياة كريمة»، التي تعكس فلسفة تنموية ترى أن قوة الدولة لا تكتمل دون الوصول إلى أطرافها ومناطقها الأكثر احتياجًا.
ويمتد التحليل إلى ملف الإنسان بوصفه محور المشروع الوطني، حيث يتناول تطوير التعليم والصحة والتحول الرقمي وتمكين الشباب والمرأة، باعتبارها مكونات مترابطة في إعادة بناء الإنسان المصري.
كما يناقش مفهوم المواطنة باعتباره أساسًا دستوريًا واجتماعيًا، مع الإشارة إلى الجهود التشريعية التي عززت مبدأ المساواة وتكافؤ الحقوق بين المواطنين.
وفي السياسة الخارجية، يعرض الكتاب مسار استعادة التوازن في علاقات مصر الإقليمية والدولية، بعد مرحلة من محاولات العزل، ليعود الحضور المصري قائمًا على التعدد والشراكة والاتزان السياسي.
ويخلص العمل إلى رؤية متكاملة للدولة، لا تفصل بين الأمن والاقتصاد والتشريع والتنمية، بل تضعها في إطار واحد يعكس فلسفة شاملة لإعادة بناء الدولة الحديثة.
وفي النهاية، لا يقدم الكتاب سردًا لإنجازات أو قائمة مشروعات، بل محاولة لقراءة فكرة الدولة ذاتها في لحظة تاريخية معقدة، حيث تتداخل السيرة الشخصية بالسيرة الوطنية، وتتحول التجربة إلى جزء من ذاكرة مصر المعاصرة.
وهكذا، يبدو «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» أقرب إلى وثيقة تاريخية تعيد لمصر حقها في رواية تاريخها بنفسها، مؤكدة أن الأمم الكبرى لا تترك ذاكرتها للغير، بل تكتبها وتعيد صياغتها، لتظل حاضرة في الوعي والتاريخ معًا.





