نيامي ترسم خارطة طريق جديدة لتحصين العقول في الساحل… اختتام دورة إقليمية تؤكد أن مواجهة التطرف تبدأ بالفكر قبل السلاح
إشادة واسعة بالتجربة الجزائرية والدعوة إلى بناء استراتيجية رقمية واستباقية لتجفيف منابع التطرف وتعزيز الأمن الفكري في دول الساحل

الجزائر.. نبيلة عوفى
اختتمت بالعاصمة النيجرية نيامي أشغال الدورة التكوينية الإقليمية رفيعة المستوى حول “بناء المناعة الفكرية وتفكيك خطاب التطرف”، التي نظمتها رابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل (LOPIS) بالتعاون مع وحدة التنسيق والاتصال (UFL)، في محطة علمية واستراتيجية بارزة أكدت أن معركة مكافحة التطرف لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية، بل أصبحت معركة وعي وفكر وتحصين مجتمعي شامل.
وشكلت الدورة، التي جمعت نخبة من العلماء وإطارات الشأن الديني من مختلف دول الساحل، فضاءً للحوار وتبادل الخبرات حول آليات بناء مناعة فكرية قادرة على مواجهة خطاب التطرف والراديكالية العابرة للحدود، ضمن رؤية تقوم على توحيد الجهود الإقليمية وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والرسمية والتربوية، بما يرسخ الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأكد المشاركون، خلال جلسات النقاش والمحاضرات العلمية، أن التحصين الفكري يمثل اليوم أحد أهم مرتكزات الأمن الإقليمي، مشددين على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تعالج جذور التطرف وأسبابه العميقة، من خلال الوقاية الفكرية، والتوعية الدينية الرصينة، والتنمية الاجتماعية، بدل الاقتصار على المعالجات الأمنية التقليدية. كما أجمعوا على أن دعم استقرار دول الجوار وتعزيز قدراتها الوطنية، مع احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، يعد خياراً استراتيجياً لمواجهة التهديدات المشتركة.
وخلصت الأشغال إلى أن التصدي لخطاب التطرف يتطلب تعبئة واسعة للعلماء وإطارات الشأن الديني، في تنسيق دائم مع مؤسسات الدولة والهيئات التربوية والإعلامية، لتشكيل جبهة فكرية موحدة قادرة على تفكيك الشبهات، وكشف زيف الخطابات المتشددة، ومواجهة ما وصفه المشاركون بـ”الفتاوى المستوردة” التي تتجاهل خصوصيات المجتمعات الإفريقية وسياقاتها الثقافية والاجتماعية.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أولت الدورة أهمية خاصة للفضاء الإلكتروني، حيث دعا المشاركون إلى تطوير استراتيجية رقمية حديثة تمكن الأئمة والدعاة من توظيف وسائل الاتصال الحديثة بفاعلية، وإنتاج محتوى معرفي وإعلامي هادف يخاطب الشباب بلغتهم، ويواجه الحملات التضليلية التي تعتمدها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الأتباع عبر المنصات الرقمية.
كما شدد العلماء على ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي، من خلال إنشاء آليات لرصد المؤشرات المبكرة للانحرافات الفكرية، وربطها ببرامج للإدماج الاجتماعي والتربوي تعالج مسببات التطرف، وعلى رأسها الفقر، والجهل، والنزاعات القبلية، والتهميش، باعتبارها عوامل تستغلها التنظيمات المتشددة لتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، حظيت التجربة الجزائرية بإشادة واسعة من قبل المشاركين، حيث اعتُبرت نموذجاً رائداً في بناء مقاربة متكاملة لمكافحة التطرف، تجمع بين المعالجة الفكرية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، والمصالحة الوطنية، وتعزيز دور المؤسسات الدينية في حماية المجتمع من الانزلاقات الفكرية.
واختتمت الدورة بتوزيع شهادات المشاركة على إطارات الشأن الديني، في خطوة عكست انتقال رابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل من مرحلة التنظير إلى التنفيذ الميداني، عبر مواصلة تنظيم البرامج التكوينية الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الاعتدال وتعزيز الأمن الفكري، استكمالاً لمسار علمي ناجح توج بتنظيم 19 دورة تكوينية سابقة في مختلف دول الساحل، بما يعزز الشراكة الإقليمية في مواجهة التحديات الفكرية والأمنية وصون استقرار المنطقة.





