عرب وعالم

واشنطن توسّع عقوباتها ضد «الإرهاب اليساري»

«فلسطين أكشن» و«مسار بديل» ضمن حملة أميركية تستهدف شبكات اليسار المتطرف

وسّعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملتها ضد ما تصفه بـ«الإرهاب اليساري» إلى خارج الولايات المتحدة، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على حركة «فلسطين أكشن» البريطانية، إلى جانب جماعات وأفراد آخرين، في خطوة تعكس اعتماد واشنطن بصورة متزايدة على أدواتها المالية لملاحقة جماعات تقول إنها مرتبطة بالعنف السياسي.

وأعلنت وزارة الخزانة، الأربعاء، أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» فرض إجراءات بموجب الأمر التنفيذي 13224، الذي يشكل أحد الأطر الرئيسية للعقوبات الأميركية المرتبطة بالإرهاب. وشملت الإجراءات «فلسطين أكشن»، و«أوتيستيشي إنفنتاتي» التي تتخذ من إيطاليا مقراً لها، إضافة إلى حركة «مسار بديل» واثنين من قياداتها، وفقاً لوزارة الخزانة.

عقوبات تستهدف التمويل

وقالت وزارة الخزانة إن «فلسطين أكشن» دعمت منذ عام 2020 أعمالاً تصفها واشنطن بالإرهابية، بينها اقتحام منشآت دفاعية وعسكرية وإلحاق أضرار بمعدات عسكرية، فضلاً عن إصابة أفراد من الشرطة البريطانية، بحسب الرواية الأميركية.

وأضافت أن الحركة روّجت لأعمالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشجعت على استخدام أساليب مماثلة في دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وعلى الحدود الأميركية – المكسيكية.

وتستهدف العقوبات الأميركية، في جوهرها، قدرة الجماعات المدرجة على الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وبموجب إجراءات «أوفاك»، تُجمّد الممتلكات والمصالح المالية للأشخاص والكيانات المدرجة الموجودة في الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سيطرة أشخاص أميركيين، كما تُحظر بصورة عامة المعاملات الأميركية التي تشمل الأموال أو السلع أو الخدمات المقدمة إلى الجهات المعاقبة. وقد تواجه المؤسسات المالية الأجنبية أيضاً مخاطر العقوبات إذا شاركت في معاملات محددة معها.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الجماعات اليسارية المتطرفة وواجهاتها والجهات التي تمكنها من العمل «يجب أن تكون على علم» بأن واشنطن ستستخدم أدواتها الاقتصادية ضدها، مؤكداً أن الإدارة ستواصل العمل على قطع ما وصفها بـ«شرايين التمويل» الخاصة بهذه الجماعات.

«فلسطين أكشن» في قلب الخلاف

تأسست «فلسطين أكشن» عام 2020، وركزت أنشطتها على استهداف شركات ومنشآت مرتبطة بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية في بريطانيا، وعلى رأسها شركة «إلبيت سيستمز».

وتقول الحركة إن هدفها يتمثل في تعطيل ما تصفه بـ«آلة الحرب الإسرائيلية»، فيما تعتبر الحكومة البريطانية والولايات المتحدة أن عدداً من عملياتها تجاوز حدود الاحتجاج السياسي إلى أعمال عنف وتخريب تستوجب تصنيفها ضمن قوانين مكافحة الإرهاب.

وقالت هدى عموري، المشاركة في تأسيس الحركة، إن أنشطة «فلسطين أكشن» تهدف إلى وقف ما وصفته بالآلة العسكرية الإسرائيلية، معتبرة أن القرار الأميركي يمثل تهديداً لحرية التعبير والحريات المدنية.

ويبرز هنا خلاف جوهري حول توصيف أعمال الحركة؛ فواشنطن تركز على اقتحام المنشآت والأضرار المادية وإصابة عناصر من الشرطة، بينما تصر الحركة على أن عملياتها تأتي في إطار العمل السياسي والاحتجاج على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.

بريطانيا سبقت واشنطن

لم تكن الولايات المتحدة أول دولة تصنف «فلسطين أكشن» كجماعة إرهابية. فقد أدرجتها بريطانيا على قائمة المنظمات المحظورة بموجب قانون الإرهاب لعام 2000 في يوليو 2025، ما جعل الانتماء إليها أو تقديم الدعم لها جريمة بموجب القانون البريطاني.

لكن القرار البريطاني لا يزال موضع نزاع أمام القضاء. فقد طعنت هدى عموري في قرار الحظر، بعدما قضت المحكمة الابتدائية في وقت سابق بعدم قانونية قرار الحكومة لأسباب تتعلق بتطبيق سياسة وزارة الداخلية وبالتناسب مع حقوق حرية التعبير والتجمع.

وألغت محكمة الاستئناف ذلك الحكم، معتبرة أن قرار حظر الحركة قانوني ومتناسب، قبل أن تنتقل القضية إلى المحكمة العليا البريطانية.

ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا الطعن يومي 4 و5 نوفمبر 2026، في قضية تتعلق مباشرة بمشروعية قرار إدراج «فلسطين أكشن» ضمن المنظمات المحظورة بموجب قانون الإرهاب البريطاني.

حملة أوسع ضد اليسار المتطرف

يأتي القرار الأميركي في إطار توجه أوسع داخل إدارة ترمب لإعادة ترتيب أولويات مكافحة الإرهاب. وكانت واشنطن قد أعلنت في نوفمبر 2025 إجراءات استهدفت جماعات تصفها بأنها مرتبطة بحركة «أنتيفا» وأعمال عنف ذات دوافع سياسية.

وفي يوليو الماضي، دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اجتماع شارك فيه مسؤولون من أكثر من 60 دولة، إلى تركيز أكبر على ما وصفه بـ«الإرهاب اليساري المتطرف»، معتبراً أن هذا النوع من التهديد لم يحظَ بالاهتمام الكافي مقارنة بتهديدات الجماعات الإسلامية المسلحة.

وتقول إدارة ترمب إن الجماعات اليسارية المتطرفة أصبحت أكثر ترابطاً عبر الحدود، وإن استخدام الإنترنت وشبكات التمويل والخدمات الرقمية يتيح لها تنسيق أنشطتها ونشر أساليبها بين دول مختلفة.

كيانات أخرى على قائمة العقوبات

لم تقتصر إجراءات الأربعاء على «فلسطين أكشن». فقد استهدفت وزارة الخزانة الأميركية أيضاً منظمة «أوتيستيشي إنفنتاتي» الإيطالية، التي تتهمها واشنطن بتوفير خدمات تقنية، بينها استضافة مواقع وبريد إلكتروني مشفر وأدوات اتصال رقمية لجماعات يسارية متطرفة.

كما شملت العقوبات حركة «مسار بديل» العابرة للحدود، إلى جانب اثنين من مسؤوليها، إذ تقول الخزانة الأميركية إنها مرتبطة بشبكة «صامدون»، التي سبق أن فرضت عليها الولايات المتحدة وكندا عقوبات، وتعتبرها واشنطن واجهة مرتبطة بـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

وتؤكد وزارة الخزانة أن إجراءاتها لا تستهدف الخطاب السياسي بحد ذاته، مشيرة إلى أن العقوبات تستند إلى أفعال تعتبرها واشنطن دعماً مادياً أو تقنياً لأعمال إرهابية. كما تستند الإدارة إلى تعريف واسع للإرهاب في الأمر التنفيذي 13224 يشمل أعمال العنف أو الأفعال الخطرة على الأرواح أو الممتلكات إذا كان الهدف منها ترهيب المدنيين أو التأثير في سياسات الحكومات بالإكراه.

جدل حول حدود «الإرهاب»

ويعيد القرار الأميركي فتح نقاش قانوني وسياسي أوسع حول الحدود الفاصلة بين العنف السياسي والتخريب من جهة، والإرهاب من جهة أخرى.

ففي حين ترى واشنطن أن استهداف المنشآت العسكرية وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات وإصابة أفراد الشرطة يمكن أن يندرج ضمن أعمال الإرهاب عندما يرتبط بالإكراه السياسي، ترى جماعات حقوقية وناشطون أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل أعمال التخريب السياسي قد يؤدي إلى تضييق مساحة الاحتجاج السلمي والمعارضة السياسية.

وتكتسب القضية أهمية خاصة مع استمرار نظر القضاء البريطاني في قانونية حظر «فلسطين أكشن». وتطرح القضية أمام المحكمة العليا سؤالاً حول مدى توافق قرار الحظر مع القواعد التي تحكم تصنيف المنظمات الإرهابية، في وقت أصبح فيه القرار البريطاني أساساً لتحرك أميركي مماثل ضد الحركة.

وبذلك، لا تقتصر تداعيات الخطوة الأميركية على تجميد أموال «فلسطين أكشن» والجهات الأخرى المستهدفة، بل قد تشكل مؤشراً إلى توجه إدارة ترمب لتوسيع استخدام أدوات مكافحة الإرهاب والعقوبات المالية ضد شبكات تصفها بأنها جزء من تهديد يساري عابر للحدود.

ويقول منتقدون إن اتساع هذا النهج قد يثير أسئلة إضافية حول تسييس سياسات مكافحة الإرهاب، خصوصاً عندما تتداخل أنشطة الجماعات المستهدفة مع الاحتجاجات المتعلقة بالحرب في غزة وحقوق الفلسطينيين. وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية أن إجراءاتها تستهدف العنف والدعم المادي له، وليس المواقف السياسية أو الخطاب المحمي قانونياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى