السيد خلاف يكتب :الخليج بين نار إيران وخداع ترامب..أسرار زيارة السيسي إلى أبوظبي ومسقط!
✍️ بقلم الكاتب الصحفي السيد خلاف
شهدت الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، والإعلان عن تواجد قوات مصرية في أبوظبي، دلالات سياسية وعسكرية عميقة، ورسائل إقليمية تتجاوز حدود الزيارات البروتوكولية التقليدية.
وفي المجمل، تتحرك مصر لمنع انفجار الخليج وتحويله إلى منصة حرب ضد إيران، في ظل تصاعد التهديدات والانقسام الإقليمي الحاد في الشرق الأوسط.
ولا يمكن قراءة تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الإمارات ثم سلطنة عمان، بمعزل عن مجمل الأوضاع الأمنية والإقليمية، ولا عن التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي المتزايد ضد إيران، أو حالة التناقض داخل الاستراتيجية الأمريكية، وتذبذب مواقف دونالد ترامب بين التفاوض والتهدئة والتلويح بالحرب وتوجيه الضربات العسكرية.
فالولايات المتحدة تتحدث عن منع الحرب، لكنها في الوقت نفسه تحشد عسكريًا، وتفتح قنوات تفاوض، لكنها لا توقف سيناريوهات الضربات، وترسل رسائل تهدئة بالتوازي مع رسائل ردع بالنار.
وهنا تتحرك القاهرة، ليس باعتبارها طرفًا في مشروع الحرب، بل باعتبارها قوة إقليمية تسعى لمنع تحول الخليج إلى مركز الانفجار القادم.
وتبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تدير مسارين متناقضين في وقت واحد:
مسار تفاوضي ورسائل تهدئة عبر الوسطاء، ومسار عسكري قائم على التهديد الجدي باستخدام القوة.
هذا التناقض لا تراه طهران مجرد مناورة سياسية، بل تعتبره محاولة لفرض شروط بالقوة تحت غطاء التفاوض أو البارود أو كليهما معًا.
أما دول الخليج، فهي تدرك أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في قرار الحرب، بل في مكان انطلاقها، لأن أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية تنطلق من قواعد أو أراضٍ خليجية، ستعني تلقائيًا أن الرد الإيراني سيتجه إلى الخليج نفسه.
وهنا تبدأ أهمية التحرك المصري.
لماذا ذهبت القاهرة أولًا إلى أبوظبي؟
زيارة الإمارات لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية أو اقتصادية، بل حملت أبعادًا أمنية وعسكرية واضحة.
فالقاهرة أرادت توجيه رسالة طمأنة للإمارات والخليج، مفادها أن مصر لن تترك الخليج وحده إذا تعرض لتهديد مباشر.
ومن هنا برزت مؤشرات الحديث عن تنسيق أو وجود عسكري مصري داخل أبوظبي، في إطار مفهوم “مسافة السكة”، باعتبار أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري.
لكن خلف هذه الطمأنة، كانت هناك رسالة مصرية أخرى أكثر حساسية، تتمثل في ضرورة عدم السماح باستخدام الأراضي الخليجية، خصوصًا الإماراتية، كمنصة لتوجيه ضربات ضد إيران.
فالقاهرة تدرك أن أخطر سيناريو قد تواجهه المنطقة هو تحويل الخليج إلى غرفة عمليات للحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد طهران.
لأن ذلك يعني عمليًا:
دخول الخليج مباشرة في بنك الأهداف الإيرانية.
فتح باب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
تهديد منشآت النفط والطاقة.
ضرب الملاحة في الخليج وباب المندب.
إشعال ساحات اليمن والعراق ولبنان وربما سوريا.
وبمعنى أكثر وضوحًا، فإن الرسالة المصرية لأبوظبي والخليج كانت:
“سنقف معكم إذا تعرضتم للخطر، لكن لا تضعوا أنفسكم في قلب المعركة”.
“مسافة السكة”.. ولكن وفق الحسابات المصرية
حين تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي سابقًا عن أن “مسافة السكة” مع الخليج عقيدة أمن قومي، كان المقصود أن مصر لن تسمح بتهديد مباشر للعواصم الخليجية.
لكن القاهرة تفرق بوضوح بين:
حماية الخليج إذا تعرض لهجوم.
وبين التورط في حرب هجومية لإعادة تشكيل المنطقة أو إسقاط إيران.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية؛ فبعض القوى الإقليمية ترى أن لحظة المواجهة مع إيران أصبحت ضرورة استراتيجية، بينما ترى القاهرة أن تفجير إيران أو إسقاط النظام هناك قد يفتح أبواب فوضى إقليمية أخطر بكثير من بقاء الأزمة الحالية.
فمصر تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة:
ماذا سيحدث للملاحة؟
ماذا سيحدث للبحر الأحمر؟
ماذا سيحدث لأسعار الطاقة والغذاء؟
ماذا سيحدث لإيرادات قناة السويس؟
ماذا سيحدث إذا تحولت المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة؟
ولهذا تتحرك القاهرة بمنطق “احتواء الانفجار”، لا بمنطق “إدارة الحرب”.
لماذا كانت سلطنة عمان المحطة الأخطر؟
إذا كانت أبوظبي محطة الطمأنة، فإن سلطنة عمان كانت محطة الرسائل الهادئة.
فمسقط تمثل تاريخيًا قناة الاتصال الخلفية بين واشنطن وطهران، وغالبًا ما لعبت دور الوسيط في أكثر اللحظات تعقيدًا بين الطرفين.
ولهذا فإن زيارة القاهرة إلى عمان في هذا التوقيت تبدو شديدة الدلالة، إذ إن مصر أرادت – على الأرجح – تمرير عدة رسائل عبر البوابة العمانية، أهمها: أن القاهرة لا تؤيد تحويل الخليج إلى منصة حرب ضد إيران.
أنها تفضّل التهدئة ومنع الانفجار الشامل.
أن أي رد إيراني على دول الخليج سيؤدي إلى انهيار استقرار المنطقة بالكامل.
أن مصر تحاول إبقاء العواصم الخليجية خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وبمعنى آخر، كانت القاهرة تحاول رسم “خطوط حمراء غير معلنة” بين واشنطن وطهران عبر الوسيط العماني، ومن هنا تتحرك مصر كقوة توازن لا كطرف اشتباك.
القاهرة بين طمأنة الخليج ومنع الحرب
في القراءة الأعمق للتحرك المصري، تبدو القاهرة وكأنها لا تريد الاصطفاف داخل مشروع الحرب، لكنها أيضًا لا تستطيع ترك الخليج مكشوفًا.
ولهذا تتحرك على خطين متوازيين:
طمأنة الحلفاء الخليجيين.
ومنع تحولهم إلى قواعد اشتباك مع إيران.
ومن هنا تبدو تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي بين أبوظبي ومسقط محاولة لإدارة أخطر معادلة في الشرق الأوسط الآن:
كيف تحمي الخليج دون إشعال الخليج؟
وكيف تحافظ على التزامات “مسافة السكة” دون أن تتحول مصر نفسها إلى طرف مباشر في حرب أمريكية–إسرائيلية قد تعيد رسم خرائط المنطقة لعقود طويلة قادمة؟





