رؤية الإستخباراتية الصينية لإستراتيجية الرئيس الشرع لدمج المقاتلين الأجانب فى مؤسسات الدولة السورية

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تنظر الأجهزة الإستخباراتية والعسكرية والسياسية الصينية إلى إستراتيجية الرئيس السورى “أحمد الشرع” لدمج المقاتلين الأجانب فى مؤسسات الدولة السورية الجديدة (عبر تحويلهم إلى فرق عسكرية نظامية كـ “الفرقة ٨٤” أو “الفرقة ٨٨” ومنحهم الجنسية السورية) برفض قاطع وريابة أمنية شديدة وتعتبرها تهديداً مباشراً لأمنها القومى. وترى بكين أن سياسة “الإحتواء” التي يتبعها الرئيس “الشرع” تفتقر إلى “الشرعية القانونية الدولية”، وتؤدى إلى “شرعنة وتوطين” إرهابيين عابرين للحدود، لا سيما عناصر “الحزب الإسلامى التركستانى”
(TIP)
المكون من مقاتلى الإيغور المنحدرين من إقليم شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة فى الصين.
وتتمثل الرؤية الأمنية والإستخباراتية الصينية المتمثلة فى (وزارة أمن الدولة الصينية)
(MSS)
برفض أطروحة الإحتواء للمقاتلين الأجانب فى صفوف الدولة السورية، وترى الإستخبارات الصينية متمثلة فى (المكتب التاسع التابع لوزارة أمن الدولة الصينية القائمة بعمل الإستخبارات الصينية)، بأن حل الحزب التركستانى لنفسه ودمجه فى الجيش السورى ما هو إلا مناورة تنظيمية وتغيير للمسميات، وهو ما تطلق عليه الدوائر الإستخباراتية الصينية مسمى “شرعنة الملاذ الآمن”، بمعنى دمج المقاتلين الأجانب ولاسيما مقاتلى الإيغور الصينيين وحصولهم على الجنسية السورية والوثائق الرسمية يمنحهم حرية الحركة، مما يسهل إختراقهم للعمق الصينى مما يشكل تهديد لمصالح بكين فى آسيا الوسطى والمنطقة. فضلاً عما يسببه ذلك من (تصدير الفكر المتطرف)، فإعلان الحزب مؤخراً العودة إلى إسمه القديم “الحزب الإسلامى لشرق تركستان”
(ETIP)
وتوجيه بوصلته نحو الصين يعزز مخاوف بكين الإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية والإستراتيجية والسياسية من تحول دمشق إلى منصة إرتكاز لنقل العمليات العسكرية ضدها.
يينما تتمثل الرؤية العسكرية والإستراتيجية الصينية المتمثلة فى (جيش التحرير الشعبى)
(PLA)
ومراكز الفكر الإستخباراتية والعسكرية التابعة لجيش التحرير الشعبى فى (رفض البنية العقائدية المقترحة لدمج المقاتلين التركستان والإيغور فى هيكل الدولة السورية الجديدة)، وهنا يرى المخططون العسكريون فى بكين أن دمج قرابة ٣٠٠٠ مقاتل متمرس من الإيغور فى فرقة عسكرية مخصصة لهم داخل الجيش السورى، يخلق بؤرة صلبة ذات كفاءة قتالية عالية وعقيدة معادية للصين. فضلاً عن إحتمالية (التوظيف الإقليمى والدولى لمقاتلى الإيغور المنحدرين من إقليم شينجيانغ المسلم الصينى ضد مصالح الصين)، حيث يخشى الجيش الصينى من أن يُستخدم هؤلاء المقاتلون الإيغور “المشرعنون” كأوراق ضغط من قوى دولية (كالولايات المتحدة الأمريكية) أو إقليمية ( كتركيا) لمحاصرة النفوذ الصينى المتنامى فى الشرق الأوسط ومشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية.
وهنا تبرز (الرؤية السياسية والدبلوماسية الصينية متمثلة فى وزارة الخارجية ووزارة العدل الصينية)، فى تحليل وتبنى وجهة النظر الصينية الرسمية لأزمة (عدم الشرعية القانونية لدمج مقاتلى الإيغور فى البنية العسكرية السورية الجديدة). حيث تتمسك الصين بأن “الحزب الإسلامى التركستانى” مصنف كتنظيم إرهابى دولى بموجب قرارات مجلس الأمن الدولى. وبناءً عليه، فإن دمجهم قانونياً وفقاً للصين داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس “أحمد الشرع”، لهو إنتهاك للإلتزامات السورية الدولية لمكافحة الإرهاب وبطلان قانونى صريح. وترفع بكين (الفيتو السياسى المشروط فى مواجهة حكومة الرئيس السورى “أحمد الشرع”)، حيث ترفض الصين بشدة المساعى الدولية لإزالة إسم “هيئة تحرير الشام” (أو حكومة دمشق الإنتقالية الحالية) بالكامل من قوائم الإرهاب، أو رفع العقوبات الأممية عنها، ما لم يتم حسم ملف مقاتلى الإيغور بشكل يضمن تصفيتهم أو تسليمهم.
وبصفتى أكاديمية مصرية متخصصة فى الشأن السياسى الصينى وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، يمكننى عقد مقارنة تحليلية بين دوافع دمشق ومخاوف بكين متمثلة فى محور الخلاف الإستراتيجى بين إستراتيجية دمشق (أحمد الشرع) والرؤية السيادية الصينية (بكين) من حيث المنهج والآلية السورية المنتهجة ما بين (الإحتواء والتوطين لمقاتلى الإيغور الصينيين)، من خلال تفكيك البنى التنظيمية للفصائل الأجنبية المقاتلة ودمجها بوزارة الدفاع السورية لمنع تمردها داخلياً، مع محاولة القيادة السورية الجديدة بقيادة “أحمد الشرع” تشكيل المستقبل الجيوسياسى للدولة السورية الجديدة تحقيقاً للإستقرار الداخلى من وجهة النظر السورية)، ضماناً لكسب ولاء المقاتلين الأجانب الأقوياء الذين ساهموا فى إسقاط النظام السابق للرئيس “بشار الأسد” وتجنب الدخول فى حرب إستنزاف طويلة معهم. وما بين الرؤية السياسية والدبلوماسية والإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية والإستراتيجية الصينية، المتمثلة فى (حتمية الإجتثاث والتفكيك للهيكلية التنظيمية للفصائل الصينية المقاتلة كالحزب الإسلامى التركستانى ومقاتلى الإيغور المنحدرين من إقليم شينجيانغ الصينى)، وهنا ترفض الدوائر الصينية المعنية للنهج السورى بقيادة “أحمد الشرع” المتمثل فى (الصهر المؤسسى للفصائل ودمجها بوزارة الدفاع السورية)، وتطالب بالنزع الكامل للسلاح، أو الترحيل، أو التسليم الجنائى لمقاتلى الإيغور والحزب التركستانى للقضاء الصينى. فى الوقت الذى إنتهج فيه الرئيس السورى “أحمد الشرع” لآلية “التكييف القانونى والشرعية الوطنية لشرعنة حالة وجود وبقاء المقاتلين الأجانب ولاسيما مقاتلى الإيغور الصينيين وحزب تركستان الصينى داخل بناء الدولة السورية الجديدة تحت قيادته)، بإصداره مراسيم دمج محلية، وإعتبار المقاتلين المندمجين جزءاً من القوات النظامية الخاضعة للقانون السوري.
وهنا تصطدم الرؤية السورية الجديدة بقيادة “أحمد الشرع” مع الرؤية الصينية بـ (عدم الشرعية الدولية لدمج المقاتلين الأجانب داخل صفوف الدولة السورية ووزارة دفاعها ولاسيما مقاتلى الإيغور والحزب التركستانى الإسلامى الصينى)، حيث تعتبر الصين دمجهم يعد إلتفافاً على القرارات الأممية وتبييضاً للإرهاب الدولى، مما يسقط الشرعية القانونية عن المنظومة الأمنية الجديدة. حيث تعتبرهم الدوائر الإستخباراتية والأمنية والإستراتيجية والسياسية الصينية بمثابة (تهديد عابر للحدود)، خاصةً مع إحتمالية تحوّل هؤلاء المقاتلين الأجانب ولاسيما الصينيين مستقبلاً إلى نواة لتنظيم عسكرى إقليمى ودولى مدرب عسكرياً بإحترافية وشديد الخطورة مما يهدد الأمن القومى الصينى وبالأخص فى إقليم شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة فى الصين.
وفى هذا الإطار، يمكننى تتبع ورصد وتحليل مدى إرتدادات الرؤية الصينية وتأثيراتها من خلال فهم وتقييم رد فعل الصين بشأن مقاتلى الإيغور فى سوريا على مستقبل العلاقات الثنائية بين الصين وسوريا فى ظل نظام الرئيس “أحمد الشرع”، وهنا تربط الأجهزة الصينية سلوكها الإقتصادى والسياسى مع نظا” أحمد الشرع” بمدى تجاوبه مع مخاوفها الأمنية عبر عدة إجراءات، منها (تجميد المساهمة الصينية فى إعادة الإعمار السورى)، حيث تتبنى بكين سياسة “الخزائن المغلقة” وتكبح أى إستثمارات ضخمة أو تمويلات ضمن مبادرة “الحزام والطريق الصينية” فى سوريا طالما بقيت “الفرقة ٨٤” أو “الفرقة ٨٨” المكونة من مقاتلى الإيغور الصينيين داخل سوريا قائمة وتتلقى الدعم المؤسسى والنظامى من داخل النظام السورى ذاته. لذا تنتهج الصين (مبدأ الضغط الدبلوماسى المشروط)، فبرغم اللقاءات الدبلوماسية المستمرة بين الجانبين الصينى والسورى وتأكيدات الخارجية السورية لبكين، بأنها لن تسمح بتهديد مصالحها، إلا أن الصين تبقى إعترافها الكامل وتطبيعها الإقتصادى بالنظام السورى الجديد لأحمد الشرع، مشروطاً بخطوات عملية على الأرض لتفكيك الوجود العسكرى التركستانى. وهنا، تضغط بكين على نظام الرئيس السورى “أحمد الشرع” بالتنسيق عبر القنوات الإقليمية ومن خلال قنواتها الدبلوماسية مع الدول الإقليمية الحليفة لدمج المقاتلين، مثل (تركيا)، للضغط على أحمد الشرع لتعديل إستراتيجيته والتحول من سياسة “الدمج التوطينى” إلى سياسة “التفكيك والترحيل”، للحفاظ على مصالح وعلاقات الدولة السورية الجديدة مع الصين.





