عرب وعالم

عقد من الإبحار في “بيت العرب”: كواليس خطاب الوداع المؤثر لمساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية

كتبت: أية أحمد

​في لحظة دبلوماسية مشحونة بالعاطفة والعمق السياسي، أعلن معالي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية إسدال الستار على مسيرة حافلة امتدت لعشر سنوات كاملة (2016-2026) في أروقة “بيت العرب”. وفي خطاب وداع رفيع المستوى وجّهه إلى معالي الأمين العام أحمد أبو الغيط، وأصحاب السعادة المندوبين الدائمين، وأعضاء الأمانة العامة، لخص المسؤول العربي البارز حصاد عقد كامل من العمل الدبلوماسي الشاق، واصفاً إياه بـ “رحلة صون الأمانة والمكابدة” في ظل أعنف الأزمات التي مر بها النظام الإقليمي العربي.

​أكد القائد الدبلوماسي في مستهل كلمته أن لحظة المغادرة تأتي دائماً حتمية وممزوجة بالترقب، شبيهة بـ “النهاية المشوقة لقصة مثيرة”، معلناً انقضاء 3650 يوماً (مائة وعشرون شهراً) من العطاء والعمل المتواصل في خدمة القضايا العربية المشتركة. وأوضح أنه عندما طُلِب منه الانضمام إلى الفريق القيادي للجامعة عام 2016، كان يخطط لخدمة تمتد لعام أو عامين يعود بعدها إلى السلك الدبلوماسي المصري، إلا أن “الأقدار المخططة مسبقاً في السماء” أرادت له أن يمكث عقداً كاملاً شريكاً أساسياً في إدارة دفة المنظمة العتيدة.

​نموذج قيادي نادر وثقة متبادلة

​ووجه المسؤول تحية إجلال خاصة إلى معالي الأمين العام للجامعة، معتبراً أن قيادته وفرت نموذجاً نادراً يتسم بالثقة الهائلة بالذات والإدراك الكامل لقدرات الآخرين ووضعها في موضعها الصحيح، مشدداً على أن الثقة والصداقة الطويلة التي جمعته بالأمين العام كانت الركيز الأساسية لنجاحه في أداء مهامه المعقدة. وأضاف متوجهاً للأمين العام: “لقد قدتم سفينة صعبة في أجواء دقيقة لنصل بها جميعاً إلى نقطة أمان نتمكن فيها من تسليم الراية لمن يخلف، ونجلس سوياً لنتابع إبحار السفينة في مستقبل الأيام”.

​”إن العمل العربي المشترك ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه أمتنا.. فكلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى التشاور والتنسيق والحفاظ على الحد الأدنى من المواقف المشتركة.”

​إنجازات هيكلية: من الإدارة التقليدية إلى العصر الرقمي

​واستعرض الخطاب حصاداً كمياً ونوعياً لافتاً لما تم إنجازه على مدار السنوات العشر الماضية بدعم من الدول الأعضاء وموظفي الأمانة العامة، مشيراً إلى طفرة تحديثية غير مسبوقة غيرت وجه العمل الإداري والدبلوماسي في المنظمة، ومن أبرزها:

​التحول الرقمي الكامل: تحديث البنية الأساسية الرقمية للأمانة العامة وتحويل مجلس الجامعة إلى جهاز يعمل إلكترونياً بالكامل وبدون أوراق للمرة الأولى في تاريخ الجامعة.

​التطوير الإنشائي والمتحفي: تطوير القاعة الكبرى وملحقاتها، وإنشاء الملحق العراقي المتميز (المكاتب، المسرح، وقاعات الاجتماعات)، وتأسيس متحف الجامعة الدائم لحفظ ذاكرة العمل العربي المشترك.

​القمم والشراكات الدولية: تنظيم أكثر من 10 قمم عربية، وعربية-إسلامية، وعربية-أوروبية، وعربية-صينية، إلى جانب المشاركة التاريخية والناجحة للجامعة في معرض “إكسبو دبي 2021”.

​الحقوق الوظيفية للكوادر: استعادة مكافأة نهاية الخدمة للموظفين لتصبح شهرين بدلاً من شهر واحد صوناً لحقوق الكوادر البشرية.

​ملفات الأمة الملتهبة: ثبات الموقف والضمير اليقظ

​ولم يخلُ خطاب الوداع من البعد الاستراتيجي؛ حيث أكد المتحدث أن السنوات العشر الماضية كانت اختباراً حقيقياً للنظام العربي وقدرته على الصمود في وجه التحديات. وشدد على أن قضايا الأمة ظلت حاضرة في قلب وعقل العمل اليومي، وفي مقدمتها قضية فلسطين الحبيبة التي تسكن الوجدان، مروراً بملف لبنان العزيز ووضعه الدقيق الذي يستلزم المؤازرة، وسوريا الصامدة التي آن لشعبها أن يستريح، واليمن الجريح، وليبيا الفتية، وصولاً إلى السودان الغالي الذي يدمي قلوب العرب ويستوجب الدعم لتحقيق الاستقرار والسلام.

​كما أشار إلى الجهود الصامتة والدؤوبة التي تبذلها الجامعة في مجالات التكامل الاقتصادي، تحديات البيئة والنقل والمياه والطاقة، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، والسياسات الاجتماعية والصحية والتعليمية وشؤون المرأة وحقوق الإنسان، إلى جانب ملف “إصلاح بيت العرب”. وعبر المسؤول عن أسفه لعدم تسليط الإعلام العربي الضوء الكافي على هذه الجهود الضخمة، مما يحرم المواطن العربي من إدراك القيمة الحقيقية للعمل الكبير الذي تضطلع به هذه المنظمة.

​رسالة إلى الكوادر والدبلوماسيين: “إلى اللقاء” في دروب القاهرة

​وفي لفتة وفاء إدارية، وجه المسؤول شكره العميق للسفراء والمندوبين الدائمين، ولأعضاء الأمانة العامة المتميزين، والخبراء رؤساء البعثات في الخارج، واصفاً إياهم بـ “حماة الأمانة بضمير عربي يقظ”. كما خصّ بالذكر فريق مكتبه الخاص الذين عملوا بتفانٍ وإخلاص مميزين وتحملوا ضغوط العمل الاستثنائية.

​واختتم الدبلوماسي العربي خطابه المؤثر بالتأكيد على أنه يغادر منصبه السامي بنفس راضية وضمير مستريح، مشيراً إلى أن توديع الزملاء في عاصمة المقر لا يعني الفراق بل هو بمثابة “إلى اللقاء” في دروب القاهرة الثقافية والدبلوماسية، مؤكداً أنه لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء لاختار مجدداً الاستمرار في الجامعة لكامل المدة، لأن “متعة الرحلة توازي متعة الإنجاز، بل إن الرحلة في حد ذاتها هي الإنجاز.. نحمد الله على سلامة الوصول وصون الأمانة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى